السبت، 6 أكتوبر 2012

إذا بليتم


إذا بليتم....

تطالعنا الأخبار من شتى مصادرها عن حال من الصعب على ذوي العقل منا تجاوز التفكير فيها.  إضافة لمعاناتنا اليومية التي تبدأ بالكهرباء ولا تنتهي بمحاولة السير في الشوارع التي أصبحت مثل توب بالٍ مليء بالثقوب، والت تعج بكائنات غريبة تحارب من أجل الوصول بدون هدف ولا طريق واضح.

اليوم نسمع أن الرئيس هادي أعلن أنه "يتم أخذ الإذن منه" عند توجيه ضربات أمريكية  للقاعدة، وبالأمس سمعنا من علي محسن أنه "كان الرجل الأول" وما يزال، وأنه "من خطط للثورة ونفذها"، وسمع من يقول أنه "يحارب أمريكا" بنهب سفارتها، وآخرون ينصرون الرسول صلى الله عليه وسلم بالشتم والسب والقذف، وغيرهم سيقضي على الفساد وسيوفر الرخاء للشعب اليمني بعد ذهاب "النظام السابق"، ومنهم من سينشر الأمن في صنعاء، وسيوحد الجيش، وربما يقضى على البغاء!

أضف إلى ذلك من يريد المحاكمة، ولا يرضى بالمبادرة. يحتمون (ممن؟) بجنود (الثورة)، يفترشون (الشارع)، ينتظرون أن تنضج الطبخة التي (احترقت)، ويأملون بأن تعود (ليلة القدر) من جديد!  يلوكون المبادئ وهم من يبيعها كل يوم، ينتظرون من (يقدم لهم ما عجزوا عن إنتزاعه)، مجلس الأمن؟  النظام السابق؟  النظام الحالي؟  الشيطان؟  لا فرق....

الكل يجاهر اليوم بما لديه، لم يعد هناك (محرم) أو (خطوط حمر) أو غيرها، اصبح الكل (عارياً) يا رب كما خلقتني!  ممن يخاف؟ ولم يخاف؟ ليس هناك حدود... والكل يريد الكشف عن (عورته) قبل أن يكشف عنها الآخرون!  الكل يرى أنها من (الشجاعة) ونسوا أو تناسوا أن هناك (حكمة) محمدية لو استخدموها لربما حفظوا شيئاً من (ماء) وجوههم....

(إذا بليتم فأستتروا) ... صدق رسول الله

الفساد...توطئة


الفساد.... توطئة

كلمة تتردد كل يوم، ومازالت تملأ اسماعنا منذ سنوات، كلمة نمقتها بقدر معناها، ونحس أنها تخنقنا وتقضي على بهجة حياتنا، كلمة طالما تغنى بها أرباب الإعلام على مدى سنوات، فمنهم من يدعي أنه ضد الفساد ويكيل الشتائم والسباب لهذه الآفة، ومنهم من ركب ركب الحكومة فتغنى بمكافحة هذه الآفة وكأنه الفارس المنقذ....

بدأت إحتجاجات الشباب بإسم مكافحة الفساد والقضاء عليه، وإذا بالفساد نفسه يقضي على آمال الشباب وطموحات الأمة، ليبقى الفساد ويمد أذرع جديدة، ويتغلغل بجذوره ليصل لكل مناح الحياة، وبحيث أصبحنا نحس أننا لن نعيش بدونه، ولن يستقيم لنا حال إلا إذا تعايشنا معه وقبلناه بيننا.

مازال البعض "يتغنى" بإسم الفساد، يدعي كرهه له، يحاول إقناعنا بأن "الآخر" هو الشيطان المفسد، ويصور لنا أنه الفارس المنقذ، هناك من تعود على قدح التهم وإلصاقها وياحبذا تكون تلك التهم متعلقة بهذا الغول الذي نكرهه جميعاً، الفساد.  مازالت أسماعنا وأنظارنا تطالع كلمات السب والذمام لأولئك "الفاسدين" الذين يجب أن نقضي عليهم، ومازال الكثيرون –لسوء الطالع- يصدقون ذلك وتذهب آمالهم بعيداً بأننا لا محالة سنعيش يوماً، بدون فساد.

نغمض أعيننا، وندير روؤسنا عندما يتعلق الأمر بشيء يخصنا.  نغض الطرف عندما يرتكب أحد أطفالنا خطأ، ندافع عنه، نحاول جاهدين حمايته.  نسعى بكل قوانا لإقناع أنفسنا أن إبننا عبقري يستحق النجاح وأكثر، ونندفع بكل قوانا لنثبت ذلك، فهو لا بد أن يكون الأول بين زملائه- ولو أضطرينا لاستخدام وسائل الضغط التي تحت أيدينا. 

نرى نساؤنا يحرمن مما عينه الشرع لهن من ميراث، وجيل بعد جيل نصم آذاننا عن شكواهن، هذا إذا لم نشارك في هذا الظلم، وهذا الجرم، نمنع نساؤنا من أبسط حقوقهن، وندعي أننا نحافظ على عفتهن، ونحن منغمسون في إرتكاب الرذائل، نعم فنحن القوامون ولن يطالنا ما يطالهن.  نتمنى أن يلحق أبناؤنا بناتنا، لديهم من الجد والإجتهاد ما يمكنهم من النجاح، وعندما تخيب آمالنا تضع من العقبات آمام بناتنا ما يمنعهن من التقدم، فيصبح الولد الفاشل هو الآمر والناهي وهو القائم على توجيه البنت.

نصحوا صباحاً وعيوننا مثقلة، بعد يوم من العمل، مساء من الكيف، وليل من السهر، نحاول دفع أولادنا للحاق بالمدرسة، "يا الله... لماذا لا يبدأون المدرسة الساعة التاسعة؟"،  يلبس الأولاد كيفما اتفق، يذهبون دون إفطار- يكفيهم بعض المال لشراء ساندويتش أو بسكويت، "حمداً لله... ذهبوا وخلصنا من هذا الهم"....

الفطور، إذا لم يكن هنا في البيت، فهناك في المطعم، على قارعة الطريق، على الرصيف، نعم على الرصيف، أما الوجبة فلا يهم نوعها طالما تملأ الجوف، ومتى يكون هذا؟، بعد أن نثبت أننا "قد بدأنا يوم العمل" فوقعنا أو بصمنا .. لافرق.

نبدأ عملنا بهدوء لا نريد أزعاجاً، نقتطع وقتاً للفطور، لا ندري كيف يمر يومنا، المهم أن لا يفوتنا أن نقتطع وقتاً لنؤمن مستلزمات الكيف.  قد يتطلب الأمر الحصول على المال اللازم لذلك، ولكن كيف؟.  يمكننا أن نساعد هذا المسكين في إتمام معاملته، وقد تفى مشاركتنا في تلك اللجنة أو ذاك الإجتماع، أو حتى قيامنا بمجهود )جبار( في تنفيذ مهام عملنا اليومي.  نحن نتلقى أجراً زهيداً، فلماذا يطلب منا كل هذا، لماذا العناء، فهذا الأجر لا يكفي... لا يكفي.  ثم إن خروجنا مبكراً لا يضير، فالغد موجود لإنجاز مهام اليوم.

في سوق "القات" الذي- وبحمد الله- إقترب منا حتى كاد يصل لكل باب، يجلس عبدالله- المقوت- على الرصيف، جديد يقسم عبدالله أن "القات" مش مبودر، وبأنه "طعيم" وبأنني لن أجد أفضل منه. "يا له من رجل غشاش- غالباً ما يخدعني بقات رديء"، سأجرب هذا اليوم أيضاً.

الغداء، ما هو؟، شيء يولد "حرارة" لازمة لجلسة تخزينة معتبرة.  بسرعة، يكفي أن يشتمل على بعض السلته والبسباس.  لا داعي لإجتماع الأسرة طالما أنني مستعجل، وبسرعة سأكون جاهزاً للمقيل.

ها هي الأم تنتهي من الغداء، وتكمل تنظيف المطبخ، وحان الوقت للراحة.  رحلة "تفرطه" قصيرة للجيران ستفي بالغرض.  طبعاً حبذا يكون هناك ما يعدل الرأس ويكيف المزاج، فالمساواة هنا مطلوبة وتساعد على زيادة الألفة بين الزوج والزوجة.  "حسناً أيها الأولاد، انتبهوا لدروسكم وواجباتكم، لا تقوموا بأي حركة تزعج أبيكم وضيوفه، يمكنكم مشاهدة التلفاز، سأرجع قبيل المغرب".

يحل الليل، الأب مازال في مقيله، والأم عادت للتو من نزهتها، "هيا أيها الأولاد- أذهبوا للنوم... يمكنهم أكل بعض السندوتشات قبل ذهابكم للفراش".... الأم تلتحق بالتلفاز.....

إنتهى يوم آخر.

الأحد، 8 يوليو 2012

ثلثين... وثلث

ليست من عادتي الألتحاق بمجالس القات، ليس بسبب أني لا أخزن، ولكن لأن الموضوع الذي يتعاطاه المخزنون منذ أكثر من سنة معروف، وليس هناك من جديد.  المهم أن الظرف ساقني إلى إحدى هذه المجالس وقد طرح سؤال شهير ومتداول هو ما الذي حدث في اليمن؟

ساق الحاضرون وجهات نظرهم في نظام وتتابع، مع مداخلات جدلية خارجه عن النص، وتراوحت الأراء ما بين تفاؤل تام، وتشاؤم كامل.  بعض الحاضرين رأى أن "التغيير" قد حدث وأن الأمور الآن تسير نحو "مستقبل مزدهر"، بينما أنكر آخرون هذا الأمر وعبروا عن خيبة أملهم بما جرى وبما آلت إليه الأمور.  كل طرف ساق مبرراته التي أشترك في كثير منها الطرفان مع اختلاف في طريقة استخدامها.

قال البعض بأن التغيير قد حدث وأن هناك مؤشرات كثيرة تدل على أن "اليمنيين" قد تركوا الماضي وراء ظهورهم وأن "ثورتهم" كانت ثورة ضد إرث من الخوف والتخاذل، وأنهم لن يرضوا بأن يعودوا للماضي، وأشاروا إلى "إتحاد اليمنيين" على مختلف توجهاتهم لتحقيق هذا الهدف، وأكدوا بأن المستقبل "مشرق".

الطرف الآخر قال بأن التغيير لم يحدث، بل كان محاولة أعادت الأمور للماضي والدليل على ذلك أن التغيير أقتصر على استبدال الرئيس وتقاسم الكراسي وليس تغييراً في المفاهيم العامة، وأزداد الأمر سوءاً بانهيار منظومة القيم بشكل غير مسبوق أدى إلى زيادة أنتشار الفساد.

الأختلاف ظهر جلياً:هل حدث "تغيير" أم لم يحدث؟، أو هل حدثت "ثورة" أم لم تحدث؟ ونظراً لأن لكل طرف مبرراته وأطروحاته، فقد إقترح أحدهم اللجوء للطريقة التقليدية في حل الخلافات في اليمن، ثلثين... وثلث.....

الطريف أن النقاش قادنا إلى محاولة معرفة لمن "الثلثين" فبينما أكد الطرف الذي يقول بوقوع ثورة أن الثلثين هي للثورة التي غيرت مجرى تاريخ اليمن، يقول الطرف الآخر بأن الثلثين مازالت من نصيب من لا يقولون بوجود ثورة.

على غير عادة اليمنيين جاءت المبادرة الخليجية فقسمت الأمر نصفين على الظاهر، لكن يتبقى أن الرئيس ومجلس النواب وغيرهما من مراكز القوى والسلطة مازالت من نصيب المؤتمر ومن يدور في فلكه......

الأربعاء، 13 يونيو 2012

ليلة القدر

حكاية سمعتها على أوجه مختلفة، وفيها من الخيال الكثير، وهي تثير في الأطفال الخيال، حكاية ليلة القدر التي تقول بأن شابة طالما تمنت أن يطول شعرها ليكتمل جمالها، وحلمت كثيراً بتحقق هذه الأمنية.

في رمضان وبينما يتوجه الناس لربهم طالبين مغفرته، يسعى الكثيرون لأن تكون ليلة القدر ضيفهم، ففيها تتحقق الأماني، ويحصل الإنسان على مراده مهما كان، ورضى الله هو السبيل لليلة القدر، وعبادة الله والتقرب إليه يوصل العبد لليلة تتحقق فيها أحلامه.
الشابة قررت أن تبذل الكثير من الجهد تقرباً إلى الله في رمضان، وعملت بجد لأجل الوصول لليلة القدر، ولليلة القدر، حسب الرواية، ثلاث أمنيات لا غير.

بينما الشابة تتطلع للسماء من نافذة غرفتها، تأتيها ليلة القدر مفاجأة، ويكون عليها أن تذكر أمانيها، تقول " يا ليلة القدر كبري راسي" - أي أطيلي شعري- فإذا رأس الشابة يكبر بحيث لم تعد قادرة على إدخاله من النافذة.

وهي في أزمتها تلك تتمنى ولسان حالها يقول " يا ليلة القدر صغري راسي"- لتتخلص من محنتها تلك، ويتحول رأس شابتنا إلى مسخ صغير كحبة الفول.

لا تجد الشابة بداً من أن تتمنى أمنيتها الأخيرة " يا ليلة القدر ردي راسي إلى مكانه"- أي كما كان.

وهكذا تمضي ليلة القدر وتمضي معها أحلام شابتنا، ولسوء تقديرها لا "تستفيد" من فرصة لا تأتي "إلا مرة".....

اليوم لسان حال الكثير من اليمنيين يقول: "يا ليلة القدر ردي راسي إلى مكانه"، فمازلنا نتمنى أن تعود أيام نتمتع فيها بشيء من السكينة والأمان، بل والأمل في المستقبل.

الثلاثاء، 5 يونيو 2012

الجيش الثالث


الجيش الثالث



كان معظم المتابعين للأزمة التي عصفت باليمن منذ بداية العام 2011 يجزمون أنها ستؤدي إلى صراع عسكري، منهم من جزم بأن اليمن ستكون صومال أخرى (بعد الصومال والعراق)، ومنهم من أكد أن الحرب ستنتهي سريعاً حال سيطرة طرف على الأمور، وقد جاءت الأحداث لتؤكد عدم صحة هذه التوقعات.

ما أن بدأت الأزمة تتفاقم حتى تمردت إحدى الفرق الرئيسية في الجيش اليمني، وكانت تلك حركة مفاجئة كونها جاءت من الجهة التي كان يفترض ولاءها المطلق لحكم الرئيس صالح، ومقارنة بمصر التي قام الجيش نفسه بالإطاحة بالرئيس، لم يتوقع المراقبون أن يكون للجيش دور في الإطاحة بحكم الرئيس صالح.  خروج هذه الفرقة وقائدها المشهور بولائه أيضاً للإسلاميين كان مفاجأة فهو يتصل بصلة القرابة للرئيس صالح وكان من المستبعد أن يذهب بؤلائه لهم إلى حد الخيانة للشخص الذي تربطه أيضاً القبلية وغيرها من الصلات.

كانت حركة التمرد تلك مبرراً للقول بأن الحرب قادمة لا محالة، وانتظر الناس أياماً بعد أيام، فإذا الرئيس صالح يتصرف بهدوء وكأن شيئاً لم يكن، ولم يظهر على السطح ما يستوجب القلق.  تطورت المواجهات بين القوات المساندة لصالح وتلك التابعة لعلي محسن ولكن بشكل غير مباشر، فقد استخدم علي محسن المتظاهرين ليوسع نفوذه، وصار تمدد خيام الإعتصام (حتى ولو كانت خاوية) على طول شارع الدائري علامة على توسع هذا النفوذ، بينما أستمرت قوات الأمن في مقاومة هذا التوسع واعتبر شارع الزبيري هو الخط الأحمر الذي مثل رمزاً للغلبة لم يتجاوزه أحد رغم المحاولات المحدودة.

أسابيع مرت، فإذا نحن نسمع بأن علي محسن يتسلم مخصصاته ومخصصات فرقته كالعادة من وزارة المالية، وتلك المبالغ الضخمة لم يقتطع منها ريال واحد.  منهم من قال أن الأمر تم "بالقوة" أو "بالترهيب"، ولكن سرعان ما سقطت هذه المقولات بعد أن استمر الأمر لشهر آخر وثالث ورابع.... إذن قرر الرئيس صالح استمرار تمويل "المتمردين" عليه وعلى حكمه.

لا يزال الأمر يحير الكثيرون، ومنهم من ذهب للقول بأن الرئيس صالح "تآمر" مع علي محسن ليقوم بتمرده بعدما أعيته التظاهرات ولم يجد وسيلة للخروج من مأزقه، فكأن تمرد علي محسن كان سفينة النجاة! وبرغم مرور أكثر من سنة وتخلي الرئيس صالح عن الحكم إلا أن البعض مازال يؤمن بنظرية "المؤامرة" المزعومة.

استمر الأمر، كما أسلفنا، كما هو، ولم تقم الحرب المفترضة بين القوات الموالية للرئيس صالح، وتلك المتمردة عليه، وبرغم حدوث مواجهات، إلا أنها كانت محدودة، وربما محسوبة، واستمر كلاً من الطرفين يحاول استخدام "الشارع" لإثبات قوته، ويبدو أن الأمر كان يسير في مصلحة الرئيس صالح الذي ظلت حكومته متماسكة، وكان اكتشابه للتعاطف الشعبي واضحاً على حساب علي محسن.

جاءت محاولة أغتيال الرئيس صالح وأركان حكمه في ذروة الصراع، وكانت كمشهد تمثيلي غير محسوب، وقد ذهب البعض من المتعاطفين مع الأحتجاجات، في محاولة منهم للتخلص من عبء الجريمة وتبعاتها، إلى حد القول بأن الرئيس صالح هو من "دبر" هذه العملية!

بدا المشهد درامياً، والرئيس صالح يقول كعائد من الموت "مادمتم بخير فإنا بخير" وسرعان ما تأكد أنه أعطى توجيهاته بكل قوة بعدم الرد أو الهجوم، في وقت بدا للكثيرين أن الفرصة ملائمة ليقوم بضرب قوات علي محسن في الصميم، وفي وقت لم يكن فيه بحاجة لتقديم تبرير.  هذا الموقف، من جديد فاجأ المراقبين الذين انتظروا ساعة الصفر، وحتى مغادرة صالح للسعودية للعلاج لم تؤدي إلى اشتعال الحرب.

مواجهات الحصبة تمت فور مغادرة الرئيس للسعودية، وقد فشلت في فرض الأمر الواقع بتقسيم صنعاء وعزل المطار، الذي لو تم كان سيؤدي إلى قلب موازين القوى، ومرة أخرى كانت ردة فعل قوات الجيش محسوبة تماماً كما لو كان الرئيس صالح نفسه هو من يدير المعركة، وانتفت فكرة "الإنتقام" التي توقع الكثيرون أن يقوم بها إبنه الذي يسيطر على الجيش.

يستمر إنقسام الجيش إذن، ويستمر الرئيس نفسه بتمويل "المتمردين"، بينما تقوم عملية سياسية أثبتت أن الرئيس صالح يسعى للخروج من الحكم بطريقة سلمية، ومن الغريب أن العملية السياسية التي عرفت بالمبادرة الخليجية لم تعالج "تمرد" الجيش بشكل مباشر، ولا إلى حل مشكلة "المعتصمين"، بل ركزت على "نقل السلطة" كهدف رئيسي، فكانت كوضع مسكن على الألم.

خطوات تليها خطوات، تلك المبادرة الخليجية التي أطالت عمر الأزمة، وخلقت رأياً عاماً يزداد سخطه يوماً بعد يوم على القوى السياسية والأوضاع بشكل عام.  حكومة الوفاق التي تشكلت من حزب الرئيس صالح وقوى المعارضة لم تتمكن خلال شهور من تحسين الأوضاع، حيث ازدادت الامور سوءاً خاصة من الناحية الأمنية.

المشكلة في رأي الكثيرين هي إنقسام الجيش، حيث يسعى طرفا الأزمة إلى التمسك بأوراق اللعبة.  الطريف أنه خلال الأزمة كان هناك طرفان، الجيش الموالي للحكومة والجيش المتمرد، أما بعد المبادرة فقد اصبحنا نسمع بأن هناك جيش موالي للرئيس السابق، وجيش علي محسن، ويبدو أنهما الآن يوضعان بوصفها جيشين متمردين، وظهرت في شوارع صنعاء قوات جديدة تتبع ما يسمى باللجنة الأمنية، وهذه القوات "الهزيلة" حسبما يظهر للعيان هي الجيش الثالث في اليمن...

كان حل الجيش العراقي بداية لمأساة تعيشها العراق منذ أكثر من عقد من الزمن، فهل يتكرر السيناريو في اليمن؟

الأحد، 19 فبراير 2012

والحقوق الضائعة

... والحقوق الضائعة

بالأمس كنت أتردد في دعوة اليمن ببلد الحقيقة التائهة، ولكني متأكد أن الكثيرين لن يختلفوا معي، بل وأزعم أنهم سيؤيدون ما ذهبت إليه، وهكذا فإني أضيف الحقوق الضائعة للقائمة.

قبل حوالي عام كامل خرج مجموعة من الشباب ينشدون التغيير.  دعوات التغيير لم تأت عبر البحار فقط، بل إن التغيير حاجة أحس بها الكثيرون لكنهم لم يقوموا بشيء لأجله.  خرج الشباب يدفعهم الحماس، ويملىء قلوبهم الأمل بمستقبل أفضل.

حياتنا أمتلأت بالأوساخ، سئمنا كلمات الكذب والرشوة والخيانة والخديعة والغدر والظلم والاختطاف والقتل،وووو كلها كلمات تملأ حياتنا، بل تملئ كل زاوية فيها حتى أصبح الكثيرون يفرون من حياتهم وراء القات أو غيره.

حياة جميلة وادعة، يملؤها العدل ويعطي كل ذي حق حقه.  حياه يكون الصدق أساسها، والحب عمادها، والعطاء والبذل للآخرين مسارها.  حياة تسير وفقاً لمنهج "كل نفس بما كسبت رهينة".

لم يخرج الشباب لوحدهم، بل لحق بهم عشرات الالاف ممن يتطلعون لمستقبل أفضل وحياة أجمل.  خرجوا تدفعهم مبادئ سامية، وليس حقداً أو حسداً أو طمعاً.....

ومرت الأيام، وكشف المستور، واتفق الذئب والراعي على قسمة القطيع......

اليوم مازال آلاف من البشر الذين يسكنون في المساكن المطلة على شارع الدائري وبعض فروعه يئنون من سلب حقوقهم. 

شوارعهم تحولت لمستنقعات، ودخولهم وخروجهم إليها مرهون بما لا يرضاه أحد منا.  سلبت حقوق هؤلاء لعام كامل، وها هو عام جديد يبدأ ولم يلق أحد بالاً لهؤلاء.

أين أنتم يا من خرجتم لاستلاب حقوقكم من "النظام" الظالم الفاسد، أين أنتم تسلبون هؤلاء حريتهم وحقوقهم؟  ماذا تقولون؟  أهذا يبرر إستمراركم في الظلم؟  ومن يقتص منكم؟  هل سألتم يوماً أنفسكم؟

الحقيقة التائهة

الحقيقة التائهة

قد لا أجاوز الصواب إذا أدعيت أننا في اليمن بلد الحقيقة التائهة.  والحقيقة تتوه في بلادنا منذ أول يوم نخرج فيه للدنيا.  فبخلاف ما أعطى الله البشر من نعمة تنظيم حياتهم، يولد الطفل لدينا ولا يجري تسجيله أو الاعتراف بوجوده، ولا يعتبر هذا "جرما" كما تنص عليه قوانين البشر التي طوروها، بل أمراً أعتيادياً، وللوالدين حق تعديل هذا الميلاد متى شاءا.

تصبح الحاجة لشهادة الميلاد أمراً واقعاً، إن رغب الوالدان بإدخال الطفل للمدرسة، ورغم كل القوانين لا تزال رغبة الأهل هي المعيار الأول والأخير، وفي الشهادة من يتذكر متى جاء هذا للدنيا، وما قيمة اليوم أو السنة، المهم أن تكون الشهادة كافية لإدخاله المدرسة.

سرعان ما نكتشف كم كنا "أجواداً"- وهو تعبير يمني يدل على بساطة التفكير وليس الكرم- عند تصديقنا لكل ما يقال، وعند أيماننا بقيم ومبادئ لا يلتزم بها حتى أقرب الناس إلينا.  ونحتار فيما نقرأ ونشاهد، وكيف نتعامل ونتصرف.

دوي هائل من الصحف والقنوات والمواقع ولهم جرا، ومرة أخرى أعذروني، إن أطلقت على أصحابها بأصحاب الأقلام المأجورة، فلا تستطيع من ذلك الدوي تبين الحقيقة مهما كانت بسيطة.

اليوم فقط، ننتظر الدقائق لنتحقق، يوم الغد الأثنين وبعده الثلاثاء إجازة رسمية، مئات المواقع والرسائل والأتصالات، كلها تؤكد الأمر، ولكن أين هو البيان الرسمي في الإعلام الرسمي؟  أين الحقيقة في ذلك؟  وننتظر وننتظر؟  أيذهب أولادنا بعد ساعات للمدرسة أم لا؟

وننتظر وننتظر... لا شيء... وكالعادة تتوه الحقيقة....