الثلاثاء، 29 مارس 2022

مشاورات الرياض

 مشاورات الرياض

"الجمعة الجمعة، والخطبة الخطبة، وعاقي والديه عاقي والديه"

أميل للتفاؤل، وهو أمر ضروري للمستقبل، وفي حالة اليمن أيضاً.

إذن مشاورات في الرياض الهدف المعلن منها وصول اليمنيين لتوافق للخروج من مأزق الحرب. الواقع ما هي مشاورات الرياض؟ وهل يمكن أن يكون لها دور في تغييرعجلة الحرب التي تدور بلا نهاية.

اطراف "الشرعية" كما تسمى تحضر مشاورت الرياض، بينما يغيب عنها الحوثيون، وهم طرف اساسي في الحرب. ولكون الشرعية  حاضرة سنبدأ بهم كون حضورهم مهم ايضاً، فالحرب في اليمن قد تحولت لحرب متعددة الاطراف. أطراف الشرعية المتصارعين والذين يمولهم التحالف ويدعمهم جميعاً يحضرون جميعاً للرياض. هل هناك فعلا حاجة لهذا الحضور. في واقع الأمرلو كان التحالف يرغب في ايجاد صيغة للتوافق بين أطراف الشرعية لفعل ذلك، فهذه الاطراف ستموت لو انقطع عنها تمويل التحالف، واعتمادها على ذلك التمويل عنصراً رئيسياً في وجودها. مع ذلك لنكن متفائلين، ولنقل أن التحالف قد أدرك المأزق الذي وضع نفسه فيه من خلال دعم اطراف متعددة في "الشرعية" أدت فعلياً لخلق حالة من الفوضى المستفيد الأول منها هو الحوثي.

هل يمكن أن يتوافق اطراف الشرعية ويكونوا جبهة موحدة ضد الحوثي؟ هل يمكن لهذه الجبهة أن تهزم الحوثي؟. للإجابة على السؤال الأول لا يتصور أن يتوافق أطراف الشرعية لأسباب متعددة، منها التنافس الحاصل للحصول على مكاسب مع استمرار كل طرف في محاولة تعزيز مواقعة تجاه التحالف، وليس تجاه الوضع الميداني. الصراع إذن هو على "كعكة التحالف" إن صح التعبير. أما السؤال الثاني فهو إمكانية هزيمة الحوثي. هذه الامكانية مرهونة فعلياً بالسؤال الأول، فإذا ما تم توافق ما بين أطراف الشرعية، لن يتمكن الحوثي من الصمود، ففشل اطراف الشرعية هو الوقود الرئيسي للحوثي. 

إذن ما هو الهدف من مؤتمر الرياض؟ وهل هو محاولة سعودية للخروج من اليمن بشيء من ماء الوجه؟ المؤشرات تدل على أن مؤتمر الرياض ما هو إلا حبه مسكنة الهدف منه هو التخفيف من ضغط حرب اليمن، مؤقتاً، على السعوديين واليمنيين. إيقاف الحرب خلال شهر رمضان هو نوع من الدعاية التي تتبادلها أطراف الصراع كل عام. إذا لم يخرج المتشاورون في مؤتمر الرياض، وهم في الواقع اطراف الشرعية، بموقف موحد، فستكون النتيجة أنتصار آخر للحوثي، لا يقل أهمية عن انتصاره العسكري. من المستبعد أن يكون المؤتمر خروجاً نهائياً للسعودية من اليمن، وإلا لكانت السعودية أعادت القيادات "الشرعية" لليمن.

الحوثيون، يواصلون تحقيق أنتصارات عسكرية ومعنوية، ناتجة بدرجة رئيسية عن فشل اطراف الشرعية.. بالرغم من الضغط الهائل عليهم اقتصاديا، يواصلون توزيع هذه الضغط على عامة الشعب من خلال زيادة الجبايات واحتكار المواد الاساسية وبيعها بأسعار باهضة. لا يتحمل الحوثيون اية مسئولية تجاه السكان، ويسخرون كل الامكانيات لتعزيز مواقعهم الاقتصادية ايضاً.، مما سيجعلهم أكثر قدرة على التأثير مستقبلاً ايضاً. رفض الحوثيين للذهاب للرياض ليس لان اللقاء في الرياض، بل لأن السلام لا يمكن ان يحقق لهم ما تحققه الحرب من مكاسب. ما الذي سيقدمه السلام لهم... حصة من السلطة، او حتى سلطة كاملة على جزء من اليمن، مع تحملهم مسئوليات، ذلك بالطبع اقل مما هم عليه اليوم.

أخيراً، مؤتمر الرياض، عدد هائل من المشاركين، يذكرنا بمؤتمر الحوار الوطني. القصة ليست بحاجة لمنتدى، صانعي الحدث  والممسكين بزمام الحل معروفين، ولا يتعدى عددهم عدد اصابع اليد الواحدة. ما يحدث لا يختلف أبداً عما حدث سابقاً، والمثل اليمن يقول "الجمعة الجمعة، والخطبة الخطبة، وعاقي والديه عاقي والديه" والاخير هم الشعب اليمن الذي ينتظرون حلولاً من قيادات استمرأت الحياة خارج اليمن دون أدنى شعور بالمسئولية، وأخرى أستمرات مكاسب الحرب داخلياً، فمن اين يأتي السلام يا ترى؟

الخميس، 24 مارس 2022

الاصلاح، بحاجة لاصلاح - الجزء الأول

 الاصلاح ربما يكون الحزب اليمني الاهم في هذه المرحلة،  فهو الحزب الايديولوجي الوحيد بعد انهيار الحزب الاشتراكي اليمني عند انهيار المنظومة الشيوعية حيث فشل في المحافظة على السلطة بعد انخراطه في مشروع الوحدة. الاصلاح هو الحزب اليمني الاكثر تنظيماً، والاكثر تأثيراً، وحضورا في السلطة،  حيث كان حاضراً قبل ان يتحول رسميأ الى حزب سياسي.

نشأ حزب الإصلاح عام ١٩٩٠، لكن جذوره ممتدة للستينيات حيث لعب "الاسلاميون" دوراً مهما في التأثير على مجريات الاحداث، فضغطوا مثلا للتخلص من الرئيس الارياني لانهم رأوا انه "متساهل مع الشيوعيين"، ولا شك ان لهم دوراً بالاطاحة بالحمدي الذي يبدو أنه حاول تجاوزهم. الرئيس صالح أعطى الاسلاميين مجالاً واسعاً للعمل،  فكانوا بالفعل شركاء في السلطة، حيث عملوا على توجيه التعليم، وكان الأمن بيدهم، وكذلك كان لهم الأثر الاكبر على التشريع، كما كانت لهم حرية العمل في تعبئة الناس عقائدياً، وتكوين قاعدة واسعة من المناصرين.

عندما تحول الاصلاح بشكل رسمي الى حزب سياسي، عند قيام الجمهورية اليمنية، فتح المجال بشكل اكبر للحزب لتطوير نفسه. خرج الاصلاح من عباءة المؤتمر،  ثم عاد فتحالف معه، ليلعب نفس الدور الذي لعبه قبل الوحدة، شريك في الحكم، لكن طموحات قادة الحزب كانت تنمو مع الزمن،  وبعد وفاة الشيخ الأحمر المؤسس يبدو ان القادة الجدد قرروا انهم يريدون رأس السلطة نفسها، متجاوزين بذلك حليفهم التقليدي.

في بحث ممول أمريكياً حول السلطة في اليمن تم اعداده في قبل 2010 ذكر الباحثون انه على الرغم من القدرات التنظيمية العالية للحزب، والتي تعتبر الافضل بين الاحزاب اليمنية، الا انه حزب تعود على العمل في الظل، واستبعدوا ان يتمكن من إدارة السلطة بشكل منفرد، ويبدو أنهم بذلك قد أصابوا كبد الحقيقة بعد تجربة الحزب الفاشلة في السلطة منذ العام 2012.  

في محاولاته للوصول لرأس السلطة تحالف الاصلاح مع خصومه التقليديين، متجاوزاً الجوانب الايديولوجية التي قام عليها، وكان تحالفه مع الاشتراكي والاحزاب القومية يتعارض مع مبادئه، لكن يبدو ان "المصلحة" دفعته لتكوين تكتل أحزاب اللقاء المشترك في مواجهة حزب المؤتمر، وكان وقتها قد قرر ان يخرج نهائياً من عباءة المؤتمر.

رأى الاصلاح،  كغيره من الاحزاب الإسلامية في دول عربية أخرى، الفرصة سانحة للوصول إلى السلطة إبان احداث ٢٠١١، فأنتقل فوراً للمقدمة لقيادة الاحداث، ويبدو ان قادة الاصلاح كانوا يؤمنون بشكل مطلق بقدرتهم على الانتصار، وتوجيه الامور لصالحهم، لذلك لم يجدوا حرجاً في الخروج على المألوف، ف "الثورة" بالنسبة لهم لا بد ان تنجح مهما كلف الامر، وجاء تحالفهم مع (الشيطان) سهلاً ومبررا، متجاوزين بذلك عقبة الاختلاف العقائدي، وتاريخاً من الصراع، واحداثأً لم تبرد نارها. كان الاصلاح يمتلك تمثيلا كبيراً في البرلمان، ويسيطر على أحد اهم أجهزة المخابرات، الأمن السياسي، كما كان متحكماً بجزء مهم من الجيش اليمني بقيادة على محسن، ولكن ذلك لم يكن كافياً! 

تحالف الاصلاح مع الحوثي للإطاحة بصالح، وقد استخدم الاصلاح كل ما في وسعه للوصول للسلطة، وتنكر لأسس العمل السياسي، بما في ذلك دستور الجمهورية اليمنية الذي كان أحد واضعيه، وقد رفض الاصلاح الحوار مع الرئيس صالح لأن طموحاته كانت أكبر من ان يستوعبها صالح، ولم يجد الاصلاح غضاضة في استدعاء التدخل الدولي.

كانت نشوة انتصار الاصلاح تمنعه من رؤية الامور على حقيقتها،  فقد حصل على ٥٠% من الحكومة وفقاً للمبادرة الخليجية، لكن الاهم انه كان يرى ان قدرته على التأثير على الرئيس (الضعيف) هادي ستمكنه من استكمال انتصاره. خلال شهور عمل الاصلاح بكل جد للسيطرة على الدولة بتوظيف عشرات الالاف من أنصاره، وكان يعتقد ان ذلك سيمكنه من تحقيق النصر الكامل، او لنقل السيطرة الكاملة. سرعان ما ظهر فشل الاصلاح في إدارة الدولة حتى مع سيطرته على رئاسة الوزراء ومؤسسة الرئاسة! 

في الفترة التي أمسك الاصلاح بها مقاليد الأمور وفقاً للتسوية السياسية التي تمت عام 2011، وبينما كان الحوثيون ينقلبون على السلطة في صعدة ويتجهون جنوباً، كان الاصلاح مشغولاً بشريكه اللدود في السلطة، المؤتمر. واصل الاصلاح تحالفه مع الحوثي اثناء الحوار الوطني، بصفة الحوثي من "القوى الثورية"، وذلك برغم ما كان يقوم به الحوثي حينها من مهاجمة قواعد الاصلاح في حرب مفتوحة، بدأت في صعدة ولم تنته في صنعاء. واصل الاصلاح سعيه لاستخدام القوى الدولية للضغط على صالح متناسياً ما عداه ايماناً منه أن صالح هو من يمتلك مقاليد الامور.

استمر الاصلاح في مهادنة الحوثي رسمياً، ولم يعلن الحرب عليه، بالرغم من انه يمتلك نصف الحكومة ويسيطر بشكل شبه كامل على قرار الرئيس هادي. عندما حاصر الحوثي صنعاء كانت مقاومة الاصلاح شكلية، واقتصرت على تغطية مكنت القيادي العسكري الاصلاحي علي محسن، الذي يشغل الآن منصب نائب الرئيس، من الهروب واللجوء الى السعودية. 

بعد ان تمكن الحوثي من السيطرة على صنعاء، استمر الاصلاح بالمداهنة، واقتصرت المقاومة على أماكن محددة، مأرب وتعز. فيما يبدو ان الاصلاح "يحتفظ بقوته" الى زمن قادم، ويذكرني ذلك بقول الشاعر أحمد مطر "أصقل سيفك يا عباس"....

وللحديث بقية.


قراءة في راواية رحلة الدم

 

30-6-2020

هذه القراءة هي لرواية إبراهيم عيسى المسماة رحلة الدم والتي نشرت في عام 2016 عن دار الكرمة للنشر، الرواية جذبت انتباه الكثيرين، وهاجمها كثير من مشائخ الدين الإسلامي لأنها أعطت صورة غير مثالية عن صحابة النبي محمد صلى الله علي وسلم، واعتبر هؤلاء أن الكاتب قد أخطأ بتصوير عدد من الشخصيات واعتمد على مراجع غير دقيقة حول الاحداث، والمحصلة أن الشخصيات جردت من القيم النبيلة التي يفترض أن يتمتع بها صحابة النبي الكريم.

إن الانتقادات التي وجهت للرواية والاهتمام الكبير الذي لاقته هي مؤشر فعلي على نجاح هذا العمل الفني، وأقول عنه عملاً فنياً لأنه ليس إلا حبكة قصصية من خيال الكاتب، ولا شك ان الكثيرين قد أخطأوا قراءة التنوية الذي ورد في بداية الكتاب والذي يقول فيه الكاتب أنه استند على ما اسماه مراجع تاريخية، ومجرد الاستناد على مراجع في سرد القصة لا يعني أنها عمل تاريخي، بل عمل ادبي، حيث خلت القصة من الإشارة إلى أي مراجع في سرد الاحداث. كذلك فإن الكاتب ولا شك قد استعان بخياله في تصميم الشخصيات ووصفها، وتكييف الاحداث وسردها لخدمة هذا العمل الادبي. إذن فليس من المجدي النظر للعمل بصفته عملاً تاريخياً، ولا يجوز الرجوع إليه كمصدر تاريخي بأي حال من الأحوال.

تظهر الرواية بلغة بسيطة وسلسلة تناسب هذا العصر، والسرد بأسلوب قصصي ممتع يجذب القارئ. هذه الميزة تمثل في نفس الوقت عيباً، حيث أن تجسيد الشخصيات في الحوار جاء باهتاً وباستخدام لغة معاصرة تبعد القارئ عن السياق التاريخي الذي يبعد أربعة عشر قرناً، ويجعل القارئ يتساءل عن الكاتب نفسه. في محصلة الأمر فإن سهولة اللغة هي أحد عناصر الجذب الرئيسية إذا لم ينظر لها على أنها فقراً في اللغة.

يعتمد الكاتب على شخصية رئيسية غامضة، وهي عبدالرحمن بن ملجم، حافظ القرآن، ومن خلاله تدور الاحداث في فترة الثورة على الخليفة عثمان بن عفان، رضي الله عنه. يتعرض القارئ للصدمة عند التعرف على الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في القصة وفي الخروج على الخليفة عثمان ثم مقتله، حيث يظهر عدد من الصحابة مثل عبدالرحمن بن عديس وغيره من الشخصيات جلها من حفظة القرآن الكريم، إضافة لشخصية محمد بن أبي بكر ومحمد بن حذيفة وقد لعبا دوراً كبيراً في  الثورة على عثمان طمعاً منهما في الحصول على مكاسب شخصية. يظهر الكاتب أيضاً شخصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه شخصية غامضة إلى حد كبير في موقفه من عثمان، وبالرغم من أنه برأه من لعب أي دور في مقتل عثمان، إلا أنه يترك القارئ محتاراً "هل قام علي بما يجب لحماية عثمان؟ وهل وصل علي لقناعة أنه أحق بالخلافة من عثمان؟" لا شك أن رسم الشخصيات بهذا الشكل قد اخرجها من إطار القدسية والتنزيه التي دائماً ما تظهر به أمام عامة المسلمين.

هل قصد الكاتب الإساءة لهذه الشخصيات، أم كان يحاول صياغة عمله الفني، ومن خلال هذا العمل كان لا بد من رسم الشخصيات التي أدارة جريمة قتل عثمان وأظهار الجوانب الإنسانية متجردة. لعل ما يميز هذا العمل في المحصلة أنه يحاول تفسير التاريخ من خلال أحداث يربطها بالشخوص الذين لهم دوافع إنسانية معينة.

أنصح لكل مهتم قراءة هذا العمل الأدبي المتميز، والذي ولا شك يجعلنا نفكر بعمق ليس فقط في التاريخ القديم، بل وفي تاريخنا المعاصر وفي المستقبل.  

الأربعاء، 16 مارس 2022

أيقونة الثورة، الارياني في ذكرى رحيله

الارياني، في ذكرى رحيله

الارياني، في ذكرى رحيله
لماذا يجب علينا استحضار ذكرى الرئيس القاضي عبدالرحمن الارياني، وما اهمية ذلك في وقت انهارت فيه اليمن ويعاني فيها الشعب الامرين من حكم الميليشيات. استحضار هذه الذكرى مهم ليس لمعرفة تاريخ مضى فحسب، بل لإيقاد شعلة الأمل لمستقبل اليمن، في وقت اصبح الياس القاتم يسيطر علينا.
كان الرئيس الارياني احد مهندسي ثورة ٢٦ سبتمبر التي تمثل الميلاد الفعلي لليمن الحديث، فقد آمن الارياني ورفاقه بأن اليمنيين يستحقون حكماً عادلا، ونظاماً مبني على اسس المساواة في المواطنة، فلا سيد ولا مسود، حكم للشعب نفسه بنفسه بعيدا عن إملاءات الامامة والكهنوت وخرافاته.
على الرغم من نشاته في أسرة محافظة من طبقة القضاة التي كانت تصنف ثانياً في سلسلة التراتب الاجتماعي التي انشاتها الامامة في اليمن ودافعت عنها لانها تمكنها من الاستحواذ على الحكم. فإن الارياني نشأ حرا وآمن انه لا يمكن ان يرضى أن يكون مواطناً من الدرجة الثانية، مهما جلب له ذلك من امتيازات. قاوم الظلم والقهر في زمن عتو الامامة وجبروتها. اختار ان يواجه الموت، ويسجن سنوات طوال منفياً، عوضاً عن ان يرضى بحظوته التي يمنحها الامام.
قاوم الامامة بالكلمة، ولعل اشهر قصائده "الخديعة" تعبر عما آمن به. سعى ورفاقه بذلك لرفع الوعي لدى الناس، فقد كانت الكلمة حينها أكثر أثراً من السيف. لكنه لم يكتف بذلك، فعندما فشلت محاولات التغيير السلمي، ساهم بالتخطيط للثورة ودعمها، وعندما كانت الثورة في مأزق، تقدم لينقذها وينقذ اليمن. انهى الحرب التي استمرت اكثر من خمس سنوات، وانتصرت الجمهورية في عهده، واستقرت اليمن، ليبدأ عصر جديد غير مجرى التاريخ في اليمن.
الرئيس المدني الوحيد في تاريخ الجمهورية العربية اليمنية حكم دون أن يقود كتبية عسكرية، ودون ان يكون وراءه قبيلة تسنده، الا الشعب. نجح على مدى سبع سنوات في تاسيس النظام الجمهوري، عهد جديد لكل اليمنيين.
لم ترض قوى الرجعية الدينية والقبلية بما كانت اليمن تحققه من تطور وانفتاح، وارادت أن تحتفظ بسيطرتها على اليمن. تآمرت تلك القوى مع العسكر الذين كانوا متحفزين للانقضاض على الحكم، فقرر الرئيس أن يغادر. إنقلاب ابيض، كما يحلو للبعض وصفه، كان بالفعل أسوداً فقد أعاد اليمن للوراء، القوة من جديد هي الحاكمة.
في ١٩٧٤ غادر الرئيس بدلاً من الحرب، فلم يكن ذلك الذي يرغب بالسلطة، ولا بالدفاع عنها. وحتى قبل أن يغادر، قدم استقالته لنواب الشعب آملاً أن يؤسس ذلك لنظام يحترم فيه القانون، حتى في الازمات، وللأسف لم تعرض استقاله على نواب الشعب. قد يقول البعض أنه غادر هرباً او جبناً، لكن هؤلاء لا يعلمون ان الرئيس الارياني كان قد استقال قبل ذلك عندما كانت بعض القوى تحاول التأثير على الدولة وتمنع وجود نظام محترم حماية لمصالحها. لقد حاول وحاول مراراً قبل ان يقرر المغادرة عوضاً عن يتزعم حرباً تسفك فيها الدماء.
الرئيس الارياني اسس النظام الجمهوري، وهو ايضاً من أسس لتوحيد اليمن، فقد عقد المباحثات ووقع الاتفاقيات التي كانت بذرة إنشاء الجمهورية اليمنية. كان هم الوطن يسكن الارياني في منفاه، لذا لم يبخل بارسال الرسائل للرئيس الحمدي الذي انقلب عليه ينصحه حرصاً على اليمن. استمر الارياني في منفاه حتى ١٩٨١م، وتوفي في ١٤ مارس ١٩٩٨م
بدأ الارياني مسيرته في عهد من الظلام، حيث لم يخطر ببال يمني أن الامام لن يحكمه يوماً ما، وغادرنا، رحمه الله، واليمن بلد موحد يعيش فيه اليمنيون متساوون، لا سيد ولا مسود، يحكمهم دستور وقانون. أفلا يستحق ان نستذكره دوماً ليكون أيقونة للمقاومة. افلا هذا يعطي هذا اليمنيين أملا في المستقبل، فظلام اليوم لا بد أن يأتي بعده صباح، إذا صدقت النوايا، وعلت الهمم. كل واحد منا له ان يسهم في انقشاع الظلام.






الثلاثاء، 16 أبريل 2019

الرجولة، عندما ضاعت


الرجولة، عندما ضاعت

1 إبريل 2019

كلمة الرجولة ترتبط في لغتنا العربية بالرجل، وتأتي صفة الذكورة مرتبطة بالرجولة، والرجولة منسوبة للذكر البالغ، لكن المعاني المرتبطة بالرجولة تتعدى المفهوم العضوي، وبحسب بعض الآراء ترجع كلمة “رجل” في اللسان العربي إلى "الترجل" أي المشي على القدمين دونما استعانة بآلة كدابة أو سيارة أو غيرهما، ومن ذلك يأتي مفهوم الاعتماد على النفس في الوصول إلى الغاية المطلوبة والهدف المقصود مرادفاً للرجولة.

في القرآن الكريم ذكرت ا لرجولة في مواقع متعددة منها بمعنى الجنس المقابل للأنثى في قوله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء ......"، وجاء ذكر الرجولة في مقام الانسان الفاضل في قوله "لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ"، وقد ذكر نور الغزالي أن الرجولة جاءت في القرآن مرادفة لست صفات هي المسئولية (في قوله تعالى "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ......" )، التطهر والتزكي (في قوله تعالى "لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ" )، الجدية والتعالي عن صغائر النفس (في قوله تعالى "رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ ..... )، الوفاء والصدق والثبات (في قوله تعالى "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً")، القوة والتوكل (في قوله تعالى "قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ ........" )، والإيجابية والفاعلية ( في قوله تعالى " وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ" ). ويأتي المصطلح المقابل للرجولة في اللغة الانجليزية بمعنى المهارة، ويعرف بأنه الرجل بأفضل صفاته، يحارب من أجل الحياة الفاضلة، والأخلاق، والشرف، والعزة، وبدوره كرجل سواء كأب أو كزوج أو كصديق أو كمواطن.

لقد عَرف المجتمع الانساني الانسان الذي يتسم ببعض الصفات الإيجابية المذكورة آنفاً بأنه يتصف بالرجولة، فالرجولة تشمل الذكر والأنثى، لأنها ليست مقتصرة على المعنى العضوي فحسب كما رأينا. والرجولة من الصفات الإيجابية المطلوبة في المجتمع وغيابها يعني خسارة كبيرة للمجتمع، فلماذا تغيب الرجولة عن بعض المجتمعات، ولماذا تدارت الرجولة في المجتمع اليمني؟

ترتبط الرجولة ببعض القيم الانسانية الاساسية الفاضلة، وتخلي المجتمع عن تلك القيم يعني تخليه عن الرجولة، ولعل الصدق أولى تلك القيم، فالإنسان الكاذب ولا شك يخفي في نفسه قدراً من الخوف والنفاق حيث يجبن عن مواجهة الواقع، فالكاذب ولا شك ناقص الرجولة. قيمة الصدق من القيم التي لا تؤخذ على محمل الجد في المجتمع اليمني، بل إن البعض يعتبر استخدام المداهنة والكذب وسيلة مشروعة لتحقيق المكاسب، ويسوغ آخرون اللجوء للكذب لتجنب ضرر بصفته أمراً مشروعاً. لا يعني ذلك أن المجتمع لا يثمن قيمة الصدق، إلا أنه نادراً ما يعاقب الكاذب. إن فقدان صفة الصدق في رأيي هو العنصر الأكثر تأثيراً فيما يصيب الإنسان من فقدان بقية صفات الرجولة.

 ساعد التماهي في الالتزام بالصدق كقيمة فردية على اتخاذ الكذب كوسيلة لتجنب الأسوأ، فأتجه الأفراد إلى استخدامه وتحول "الهروب من المواجهة" إلى قيمه فردية ومجتمعية. إضافة لذلك أصبح لدى الفرد اليمني اتجاه لتكذيب عقله الذي ينبهه إلى وجود خطر ما، وتحول ذلك إلى نوع من الاستكانة للواقع. نظراً لاستخدامه الكذب وتكذيبه لنفسه، كون اليمني موقفاً سلبياً مما يحدث، وكلما زادت الأمور تعقيداً، كلما وجد اليمني وسيلة لترحيل مشاكله إلى المستقبل.

إن قيم الفرد والمجتمع هي نتاج عن خليط من التجارب الإنسانية، وأن ما يمر به الانسان اليمني ليس جديداً، بل هو ناتج لفترات طويلة، وليس وليد الظروف الحالية، بل هي نتيجة لتاريخ طويل. مع ذلك لا بد من القول إن للتجارب الأخيرة أثر كبير. و إذا ما ركزنا على السنوات الثمان الأخيرة التي كانت حافلة سنرى أنها بدأت بحراك فتح آفاق لتغيير المجتمع، وليس السلطة فحسب. عندها كان الفرد اليمني يقف حائراً، ليس لأنه لا يريد تغيير النظام القائم، بل لأنه أدرك مبكراً الصراع القائم بداخله. كان اليمني يدرك في باطنه أنه أحد عناصر المشكلة. كان يريد التغيير في الوقت الذي كان يخافه. كان يخاف التغيير بنفس القدر الذي يخاف مواجهة نفسه وتحمل المسئولية، لذا فقد فشل الفرد في اتخاذ أي موقف، ساعده في ذلك الأحداث، فترك الأمور تسير كيفما تشاء، لتصبح في يد الأكثر جرأة وبطشاً.

عندما اختار الفرد اليمني أن يكون معارضاً في 2011، كان يؤمن بقدرته على هزيمة الآخر، لكنه كان أقل ثقة بقدرته على هزيمة نفسه. وعندما أدرك أن النتائج كانت مخيبة وأنه مسئول عنها، أبى ان يعترف، وألقى باللائمة على الآخر. ويستمر هذا الصراع، ويستمر اليمني في البحث عمن ينقذه من هذا الصراع، ويتعلق بقشة جرته إلى مستقبل مجهول.

تمادى الفرد اليمني التماهي مع قيمة الصدق، وبالغ في عدم تصديق نفسه، ورأى في الاستكانة والخوف من المجهول مبرراً لكل ذلك. استهلك اليمني ثروته واستهلك نفسه، ثم ترك نفسه نهباً للاتكال والمساعدات. الأسوأ من ذلك وجود "قناعة" شبه نهائية لدى الفرد اليمني تقول ألا شيء بيده، وانما هي بيد آخرين غيره. ويزيد البعض على ذلك باعتبار ألا شيء بيد الإنسان، مستخدمين "شماعة القدر" للهروب كلياً من الواقع، بدلاً من مواجهته. يتمادون في "طلب العون الإلهي"، معلنين وصولهم لمرحلة العجز الكامل، بعيداً كل البعد معاني الرجولة الإنسانية.



الأربعاء، 13 فبراير 2019

الذكرى الثامنة




ثمان سنوات كاملة مرت منذ بدء أحداث الربيع العربي الشهيرة، أحداث بدأت في تونس وانتشرت كالنار في الهشيم لتشمل مصر وليبيا واليمن وسوريا، إضافة لبعض الدول التي تمكنت من السيطرة عليها كالأردن والمغرب وعمان والبحرين. يأتي فبراير لينكأ جراحاً في قلوب الجماهير في معظم الدول العربية التي ركبتها تلك الموجة، ويشترك المؤيدون والمعارضون على حد سواء في هذه استجرار هذه الآلام، وإن حاول البعض أن يظهر أحتفاءه بالمناسبة فالواقع يقول أن هذا الاحتفاء ليس إلا من قبيل المكابرة. المؤيدون للربيع العربي من الشباب والعامة ممن حملوا أحلاماً بريئة وأملوا بإيجاد نظم حكم أكثر عدالة، سرعان ما وجدوا كل أحلامهم سراباً، أما المؤيدين ممن وجدوها فرصة للوصول للسلطة فلم يحققوا مرادهم أيضاً، باستثناءات محدودة. في المقابل نجد المعارضين للربيع الذين فقدوا ما بأيديهم، وخسروا كل شيء.

كان الربيع موسماً ازدهرت فيه الآمال، آمال العرب جميعاً، بل وربما آمال العالم المحب ايضاً. كان ربيعاً مبهراً، انبعثت فيه الحياة ببراعم بدت قوية، وازهار تتبختر بألوانها الزاهية، كان انبعاثاً ربيعياً بحرارة الصيف وقوته، وكأن الأرض قررت فجأة أن تجود بأسباب قوة اضافية، خلاف ما تفعله عادة، وكأن الكون قد أدخر لهذا الموسم منذ زمن طويل هذه الطاقة الجبارة.

بدت حركة الشعوب تلقائية، وكانت المطالب بسيطة، ولا تتعدى أحلام البسطاء، التخلص من الفساد والالتزام بالقانون كطريق لرفض التسلط وتحقيق العدالة. لكن شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" كان أكثر من ان يكون بسيطاً. وظهرت عناصر تقود الجماهير التي كانت تطير بأحلامها. ولم يكن ظهورها تلقائياً، ولا من قبيل الصدفة. تلك القيادات أتت من رحم معارضة الأنظمة وكانت الأكثر تنظيماً، وقد استغلت الظرف وركبت الموجه، لتصبح بسرعة موجهة السفينة وسيدة البحر الهائج. كانت قدرة تلك القيادات هائلة على استقطاب الجماهير من حولها، ولكن لم يكن لديها من الخبرة ما يمكنها من قيادة السفينة لبر الأمان. وسرعان ما أنكشف امرها، وظهر عجزها عن مواجهة الواقع. لكن ذلك لم يثنيها، فلم تشأ أن تعترف بخطئها، ولا كانت مستعدة للتنازل عما حققته من مكاسب. وكأن عدوى "النظام" المنقلب عليه قد اصابها. ولم يكن لدى الجماهير التي لم تكن تطالب إلا بشيء من العدالة، إلا السير وراء تلك القيادات.

زخم انتفاضات الربيع العربي كان قصيراً، لعله كان متأثراً بإسمه كموسم قصير، فقد استمرت المظاهرات والاعتصامات لأيام قليلة، جرى خلالها وضع تسويات في بعض الدول مثل تونس ومصر واليمن، بينما اجتاح العنف دولاً أخرى. في تلك التسويات السياسية تمكنت جماعات الاسلام السياسي من الوصول للحكم، وانحسرت موجة الاحتجاجات برغم اصرار بعض الشباب الذين لم يكونوا ضمن صفقات التسوية على استمرارها. واستمر بالطبع الصراع السياسي، ولم تتمكن جماعات الاسلام السياسي، التي ورثت الحكم، من الحفاظ على مكاسبها، فتراجعت الجماعة في تونس ونجحت في الحفاظ على الحد الادنى من مكاسبها، والمحافظة على البلاد من الانجرار للفوضى، أما في مصر فلم تتمكن الجماعة من استثمار انتصاراتها المتكررة، ولم تكن مستعدة للتخلي عن مكسب واحد، لتجد نفسها وقد خسرت كل شيء، بل ودفعت البلد دون وعي لعقود من الزمن إلى الوراء. أما في اليمن فقد تمكن تحالف جماعتي الاسلام السياسي الرئيسيتين، الأصلاح والحوثيين، وبرغم وقوفهما على طرفي نقيض، تمكنتا من تقويض سيطرة نظام الرئيس صالح وحزبه على الحكم، لكن لم يكن لديهما، كما يبدو، خطة للاشتراك في حكم البلاد بعد صالح، فبدأت الحرب بين الحليفين اللدودين بمجرد توقيع التسوية السياسية، ليتمكن الحوثيون بعدها من خداع الجميع والاستئثار بالحكم، ويصيبهم داء السلطة فيدفعوا بالبلد إلى حرب متعددة الأطراف والأهداف، ويحولوها إلى ساحة صراع مفتوح بلا أفق لنهايته.

في سوريا وليبيا لم يكن متوقعاً أن تنجح أي احتجاجات شعبية، فأنظمتهما لم يكونا ليسمحا بتوسع تلك الاحتجاجات، ولما يتمتع به البلدان من اهمية كبيرة فقد تدخلت أطراف دولية وقدمت الدعم بكافة صوره للجماعات المعارضة، ليتوسع الصراع ويتحول البلدان إلى ساحتي حرب تقودهما مصالح وتجاذبات دولية  لا يبدو لها نهاية.



ثمان سنوات مرت ولا تزال الدول الربيعية تمر في نفق مظلم، لا يبدو في أفقه من ضوء. فقد انحسرت فيها آمال الجماهير العربية، وتبخرت أحلامها، وتحولت الشعوب الثائرة إلى شعوب منكسرة مقهورة ومغلوبة في أحسن الأحوال، وفقيرة جائعة يائسة وبائسة في أسوأها. تحولت أحلام الربيع العربي إلى كوابيس خريف تتساقط فيه أوراق الحياة في اليمن وسوريا وليبيا، بينما تكاد في مصر وتونس. ثمان سنوات قوضت  الاسس التكوينية للبلدان العربية، وأخرجت نار التطرف والأختلاف من بين الرماد. نار أحرقت عشرات الآلاف من البشر، وأصاب أوارها عشرات الملايين.

لعل أكثر ما يحبط الانسان العربي ليس فشل الجماهير في إحداث التغيير المنشود فحسب، بل انسداد الأفق. لقد أضحت الجماهير أكثر عجزاً اليوم مما كانت عليه قبل ثمان سنوات، فهي تستكين لجماعات دينية متطرفة وأنظمة أكثر ظلماً وقمعية. إذن فنتائج أحداث العام 2011 الربيعية وما تبعها سلبية، ولا يمكننا تبرير الفشل الحالي بأماني التغيير المستقبلي، ولا الادعاء أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان. إن خريف العدم الذي يعيشه الفرد العربي وتعيشه الجماهير العربية كارثي بكل المقاييس، وسيذكرها التاريخ كفترة ضعف وتراجع.

في ظل هذه الاوضاع يستمر التجاذب بين مبرر لانتفاضات الربيع، بصفتها ثورات شعبية مبرره ستؤتي أوكلها لا محالة، وبين من يعتبرها حركة تخريبية أنتجت معاناة يمر بها ما لا يقل عن 145 مليون انسان عربي (أكثر من 42% من سكان الدول العربية). لعل أهم ما يرتبط بمفهوم الثورة، بغض النظر عن التعريف الأكاديمي لها وعن الشكليات المتعلقة بالأنظمة أو الدساتير، هو وجود تغيير اجتماعي ايجابي. السؤال الذي لا يزال مطروحاً، هل هناك من تغيير، او يلوح في الافق أي تغيير اجتماعي ناتج عن أحداث الربيع 

إذا كان هناك من عبره نأخذها من "تجربة الربيع العربي"، أن صح التعبير، فهي أنه ما لم يكن لدى الفرد العربي من القيم والمبادئ ما يخلق في قلبه الرغبة في تغيير واقعه نحو الأفضل، والقدرة على السير نحو هدفه وحماية مستقبله، فإن تغيير الأطر لن يحقق شيئاً، بل سيجلب المزيد من الأوجاع. أن فشل الجماهير مهما كانت أهدافها نبيلة ومبررة، وهي كذلك، ليس إلا تعبيراً عن فشل نخب المجتمع وقادته، وبدونهم لا جدوى من حركة الجماهير. إن ذلك بالتالي تعبير عن فشل الفرد العربي الذي هو اساس التغيير، فربيع الفرد يجب أن يسبق ربيع الجماعة.

الجمعة، 23 فبراير 2018

كوابيس الربيع


كوابيس الربيع

( كوابيس ايقظتني في ليل شتاء قارص وطويل، مثلما ايقظتني، كطفل، احلام ربيع مبكرة في ليالي شتاء ٢٠١١)
مع اننا أمة لا تمتلك الا التاريخ نفتخر به ونعيش على أطلاله، الا اننا قلما نستفيد من دروس وعبر التاريخ، وقلما نستخدم تلك الدروس في صنع مستقبلنا. في حاضرنا المؤلم ومستقبلنا المظلم، لنراجع بعض الأحداث التاريخية لبيان ما ذكرته.
في الثمانينات من القرن الماضي حاول الاسلاميون في الجزائر الوصول للسلطة عبر الانتخابات، وحتى قبل ان يستلموا الحكم أشاروا الا انهم سيغيروا قواعد اللعبة، وكان ما كان من انقلاب منعهم من تسلم السلطة وأشعل حرباً أهلية استمرت لأكثر من عقد من الزمان ودمرت فيه الجزائر كبلد غني بالموارد.
في التسعينيات من نفس القرن، وبعد ان قاتل العراق ايران لأكثر من عشر سنوات، لمنع تصدير الثورة الإيرانية، وبدعم من دول الخليج خاصة والدول الغربية، استدرج العراق الى فخ الكويت ليتم بعد ذلك وبأيد خليجية وعربية تدمير العراق تحت مبررات وذرائع متعددة أقبحها تخليص العراق من الدكتاتورية وإقامة نظام ديمقراطي. وسقط العراق محتلاً ثم ضحية لحروب طائفية كانت متوقعة، والأنكى من ذلك انه تحول، اي العراق، الى جرح في خاصرة دول الخليج والدول العربية عامة، وأداة لتصدير الثورة الإيرانية. ولم يبق للعراقيين من وطن.
تحت مبررات محاربة الدكتاتورية والانظمة الفاسدة والتوريث، اشتعلت نيران الربيع العربي، واستدرجت الجماعات الاسلامية لقيادة تلك الثورات لانها كانت الأكثر تنظيماً وقدرة على تحريك الشارع. وقعت تلك الجماعات في فخ يشبه تلك الذي وقعت فيه الجماعة في الجزائر، وقعت جميعها. لم تتعلم من درس الجزائر ولا حتى تعلمت من تجارب دول الربيع العربي نفسها. سقطت ليبيا، وفشلت مصر، وتبعتها اليمن، ولم يتعلم العرب شيئاً من أكبر كارثة إنسانية صنعوها في سوريا. ويبدو ان البقية ستلحق فالاردن يغلي والبحرين.

تحول واقع العرب الراكد، الى مستنقع لا حياة فيه، وأصبحت الدول العربية اكثر مناطق العالم تصديراً للاجئين الهاربين من جحيم، ليس جحيم الأنظمة المستبدة، بل نار الجماعات المستبدة التي لا حدود لاستبدادها، بل والقناعات المستبدة، ليتحول الربيع العربي وأحلامه الى سراب، بل الى كابوس شتاء طويل لا ينتهي.
قيس علي الارياني