الأحد، 8 يوليو 2012

ثلثين... وثلث

ليست من عادتي الألتحاق بمجالس القات، ليس بسبب أني لا أخزن، ولكن لأن الموضوع الذي يتعاطاه المخزنون منذ أكثر من سنة معروف، وليس هناك من جديد.  المهم أن الظرف ساقني إلى إحدى هذه المجالس وقد طرح سؤال شهير ومتداول هو ما الذي حدث في اليمن؟

ساق الحاضرون وجهات نظرهم في نظام وتتابع، مع مداخلات جدلية خارجه عن النص، وتراوحت الأراء ما بين تفاؤل تام، وتشاؤم كامل.  بعض الحاضرين رأى أن "التغيير" قد حدث وأن الأمور الآن تسير نحو "مستقبل مزدهر"، بينما أنكر آخرون هذا الأمر وعبروا عن خيبة أملهم بما جرى وبما آلت إليه الأمور.  كل طرف ساق مبرراته التي أشترك في كثير منها الطرفان مع اختلاف في طريقة استخدامها.

قال البعض بأن التغيير قد حدث وأن هناك مؤشرات كثيرة تدل على أن "اليمنيين" قد تركوا الماضي وراء ظهورهم وأن "ثورتهم" كانت ثورة ضد إرث من الخوف والتخاذل، وأنهم لن يرضوا بأن يعودوا للماضي، وأشاروا إلى "إتحاد اليمنيين" على مختلف توجهاتهم لتحقيق هذا الهدف، وأكدوا بأن المستقبل "مشرق".

الطرف الآخر قال بأن التغيير لم يحدث، بل كان محاولة أعادت الأمور للماضي والدليل على ذلك أن التغيير أقتصر على استبدال الرئيس وتقاسم الكراسي وليس تغييراً في المفاهيم العامة، وأزداد الأمر سوءاً بانهيار منظومة القيم بشكل غير مسبوق أدى إلى زيادة أنتشار الفساد.

الأختلاف ظهر جلياً:هل حدث "تغيير" أم لم يحدث؟، أو هل حدثت "ثورة" أم لم تحدث؟ ونظراً لأن لكل طرف مبرراته وأطروحاته، فقد إقترح أحدهم اللجوء للطريقة التقليدية في حل الخلافات في اليمن، ثلثين... وثلث.....

الطريف أن النقاش قادنا إلى محاولة معرفة لمن "الثلثين" فبينما أكد الطرف الذي يقول بوقوع ثورة أن الثلثين هي للثورة التي غيرت مجرى تاريخ اليمن، يقول الطرف الآخر بأن الثلثين مازالت من نصيب من لا يقولون بوجود ثورة.

على غير عادة اليمنيين جاءت المبادرة الخليجية فقسمت الأمر نصفين على الظاهر، لكن يتبقى أن الرئيس ومجلس النواب وغيرهما من مراكز القوى والسلطة مازالت من نصيب المؤتمر ومن يدور في فلكه......

الأربعاء، 13 يونيو 2012

ليلة القدر

حكاية سمعتها على أوجه مختلفة، وفيها من الخيال الكثير، وهي تثير في الأطفال الخيال، حكاية ليلة القدر التي تقول بأن شابة طالما تمنت أن يطول شعرها ليكتمل جمالها، وحلمت كثيراً بتحقق هذه الأمنية.

في رمضان وبينما يتوجه الناس لربهم طالبين مغفرته، يسعى الكثيرون لأن تكون ليلة القدر ضيفهم، ففيها تتحقق الأماني، ويحصل الإنسان على مراده مهما كان، ورضى الله هو السبيل لليلة القدر، وعبادة الله والتقرب إليه يوصل العبد لليلة تتحقق فيها أحلامه.
الشابة قررت أن تبذل الكثير من الجهد تقرباً إلى الله في رمضان، وعملت بجد لأجل الوصول لليلة القدر، ولليلة القدر، حسب الرواية، ثلاث أمنيات لا غير.

بينما الشابة تتطلع للسماء من نافذة غرفتها، تأتيها ليلة القدر مفاجأة، ويكون عليها أن تذكر أمانيها، تقول " يا ليلة القدر كبري راسي" - أي أطيلي شعري- فإذا رأس الشابة يكبر بحيث لم تعد قادرة على إدخاله من النافذة.

وهي في أزمتها تلك تتمنى ولسان حالها يقول " يا ليلة القدر صغري راسي"- لتتخلص من محنتها تلك، ويتحول رأس شابتنا إلى مسخ صغير كحبة الفول.

لا تجد الشابة بداً من أن تتمنى أمنيتها الأخيرة " يا ليلة القدر ردي راسي إلى مكانه"- أي كما كان.

وهكذا تمضي ليلة القدر وتمضي معها أحلام شابتنا، ولسوء تقديرها لا "تستفيد" من فرصة لا تأتي "إلا مرة".....

اليوم لسان حال الكثير من اليمنيين يقول: "يا ليلة القدر ردي راسي إلى مكانه"، فمازلنا نتمنى أن تعود أيام نتمتع فيها بشيء من السكينة والأمان، بل والأمل في المستقبل.

الثلاثاء، 5 يونيو 2012

الجيش الثالث


الجيش الثالث



كان معظم المتابعين للأزمة التي عصفت باليمن منذ بداية العام 2011 يجزمون أنها ستؤدي إلى صراع عسكري، منهم من جزم بأن اليمن ستكون صومال أخرى (بعد الصومال والعراق)، ومنهم من أكد أن الحرب ستنتهي سريعاً حال سيطرة طرف على الأمور، وقد جاءت الأحداث لتؤكد عدم صحة هذه التوقعات.

ما أن بدأت الأزمة تتفاقم حتى تمردت إحدى الفرق الرئيسية في الجيش اليمني، وكانت تلك حركة مفاجئة كونها جاءت من الجهة التي كان يفترض ولاءها المطلق لحكم الرئيس صالح، ومقارنة بمصر التي قام الجيش نفسه بالإطاحة بالرئيس، لم يتوقع المراقبون أن يكون للجيش دور في الإطاحة بحكم الرئيس صالح.  خروج هذه الفرقة وقائدها المشهور بولائه أيضاً للإسلاميين كان مفاجأة فهو يتصل بصلة القرابة للرئيس صالح وكان من المستبعد أن يذهب بؤلائه لهم إلى حد الخيانة للشخص الذي تربطه أيضاً القبلية وغيرها من الصلات.

كانت حركة التمرد تلك مبرراً للقول بأن الحرب قادمة لا محالة، وانتظر الناس أياماً بعد أيام، فإذا الرئيس صالح يتصرف بهدوء وكأن شيئاً لم يكن، ولم يظهر على السطح ما يستوجب القلق.  تطورت المواجهات بين القوات المساندة لصالح وتلك التابعة لعلي محسن ولكن بشكل غير مباشر، فقد استخدم علي محسن المتظاهرين ليوسع نفوذه، وصار تمدد خيام الإعتصام (حتى ولو كانت خاوية) على طول شارع الدائري علامة على توسع هذا النفوذ، بينما أستمرت قوات الأمن في مقاومة هذا التوسع واعتبر شارع الزبيري هو الخط الأحمر الذي مثل رمزاً للغلبة لم يتجاوزه أحد رغم المحاولات المحدودة.

أسابيع مرت، فإذا نحن نسمع بأن علي محسن يتسلم مخصصاته ومخصصات فرقته كالعادة من وزارة المالية، وتلك المبالغ الضخمة لم يقتطع منها ريال واحد.  منهم من قال أن الأمر تم "بالقوة" أو "بالترهيب"، ولكن سرعان ما سقطت هذه المقولات بعد أن استمر الأمر لشهر آخر وثالث ورابع.... إذن قرر الرئيس صالح استمرار تمويل "المتمردين" عليه وعلى حكمه.

لا يزال الأمر يحير الكثيرون، ومنهم من ذهب للقول بأن الرئيس صالح "تآمر" مع علي محسن ليقوم بتمرده بعدما أعيته التظاهرات ولم يجد وسيلة للخروج من مأزقه، فكأن تمرد علي محسن كان سفينة النجاة! وبرغم مرور أكثر من سنة وتخلي الرئيس صالح عن الحكم إلا أن البعض مازال يؤمن بنظرية "المؤامرة" المزعومة.

استمر الأمر، كما أسلفنا، كما هو، ولم تقم الحرب المفترضة بين القوات الموالية للرئيس صالح، وتلك المتمردة عليه، وبرغم حدوث مواجهات، إلا أنها كانت محدودة، وربما محسوبة، واستمر كلاً من الطرفين يحاول استخدام "الشارع" لإثبات قوته، ويبدو أن الأمر كان يسير في مصلحة الرئيس صالح الذي ظلت حكومته متماسكة، وكان اكتشابه للتعاطف الشعبي واضحاً على حساب علي محسن.

جاءت محاولة أغتيال الرئيس صالح وأركان حكمه في ذروة الصراع، وكانت كمشهد تمثيلي غير محسوب، وقد ذهب البعض من المتعاطفين مع الأحتجاجات، في محاولة منهم للتخلص من عبء الجريمة وتبعاتها، إلى حد القول بأن الرئيس صالح هو من "دبر" هذه العملية!

بدا المشهد درامياً، والرئيس صالح يقول كعائد من الموت "مادمتم بخير فإنا بخير" وسرعان ما تأكد أنه أعطى توجيهاته بكل قوة بعدم الرد أو الهجوم، في وقت بدا للكثيرين أن الفرصة ملائمة ليقوم بضرب قوات علي محسن في الصميم، وفي وقت لم يكن فيه بحاجة لتقديم تبرير.  هذا الموقف، من جديد فاجأ المراقبين الذين انتظروا ساعة الصفر، وحتى مغادرة صالح للسعودية للعلاج لم تؤدي إلى اشتعال الحرب.

مواجهات الحصبة تمت فور مغادرة الرئيس للسعودية، وقد فشلت في فرض الأمر الواقع بتقسيم صنعاء وعزل المطار، الذي لو تم كان سيؤدي إلى قلب موازين القوى، ومرة أخرى كانت ردة فعل قوات الجيش محسوبة تماماً كما لو كان الرئيس صالح نفسه هو من يدير المعركة، وانتفت فكرة "الإنتقام" التي توقع الكثيرون أن يقوم بها إبنه الذي يسيطر على الجيش.

يستمر إنقسام الجيش إذن، ويستمر الرئيس نفسه بتمويل "المتمردين"، بينما تقوم عملية سياسية أثبتت أن الرئيس صالح يسعى للخروج من الحكم بطريقة سلمية، ومن الغريب أن العملية السياسية التي عرفت بالمبادرة الخليجية لم تعالج "تمرد" الجيش بشكل مباشر، ولا إلى حل مشكلة "المعتصمين"، بل ركزت على "نقل السلطة" كهدف رئيسي، فكانت كوضع مسكن على الألم.

خطوات تليها خطوات، تلك المبادرة الخليجية التي أطالت عمر الأزمة، وخلقت رأياً عاماً يزداد سخطه يوماً بعد يوم على القوى السياسية والأوضاع بشكل عام.  حكومة الوفاق التي تشكلت من حزب الرئيس صالح وقوى المعارضة لم تتمكن خلال شهور من تحسين الأوضاع، حيث ازدادت الامور سوءاً خاصة من الناحية الأمنية.

المشكلة في رأي الكثيرين هي إنقسام الجيش، حيث يسعى طرفا الأزمة إلى التمسك بأوراق اللعبة.  الطريف أنه خلال الأزمة كان هناك طرفان، الجيش الموالي للحكومة والجيش المتمرد، أما بعد المبادرة فقد اصبحنا نسمع بأن هناك جيش موالي للرئيس السابق، وجيش علي محسن، ويبدو أنهما الآن يوضعان بوصفها جيشين متمردين، وظهرت في شوارع صنعاء قوات جديدة تتبع ما يسمى باللجنة الأمنية، وهذه القوات "الهزيلة" حسبما يظهر للعيان هي الجيش الثالث في اليمن...

كان حل الجيش العراقي بداية لمأساة تعيشها العراق منذ أكثر من عقد من الزمن، فهل يتكرر السيناريو في اليمن؟

الأحد، 19 فبراير 2012

والحقوق الضائعة

... والحقوق الضائعة

بالأمس كنت أتردد في دعوة اليمن ببلد الحقيقة التائهة، ولكني متأكد أن الكثيرين لن يختلفوا معي، بل وأزعم أنهم سيؤيدون ما ذهبت إليه، وهكذا فإني أضيف الحقوق الضائعة للقائمة.

قبل حوالي عام كامل خرج مجموعة من الشباب ينشدون التغيير.  دعوات التغيير لم تأت عبر البحار فقط، بل إن التغيير حاجة أحس بها الكثيرون لكنهم لم يقوموا بشيء لأجله.  خرج الشباب يدفعهم الحماس، ويملىء قلوبهم الأمل بمستقبل أفضل.

حياتنا أمتلأت بالأوساخ، سئمنا كلمات الكذب والرشوة والخيانة والخديعة والغدر والظلم والاختطاف والقتل،وووو كلها كلمات تملأ حياتنا، بل تملئ كل زاوية فيها حتى أصبح الكثيرون يفرون من حياتهم وراء القات أو غيره.

حياة جميلة وادعة، يملؤها العدل ويعطي كل ذي حق حقه.  حياه يكون الصدق أساسها، والحب عمادها، والعطاء والبذل للآخرين مسارها.  حياة تسير وفقاً لمنهج "كل نفس بما كسبت رهينة".

لم يخرج الشباب لوحدهم، بل لحق بهم عشرات الالاف ممن يتطلعون لمستقبل أفضل وحياة أجمل.  خرجوا تدفعهم مبادئ سامية، وليس حقداً أو حسداً أو طمعاً.....

ومرت الأيام، وكشف المستور، واتفق الذئب والراعي على قسمة القطيع......

اليوم مازال آلاف من البشر الذين يسكنون في المساكن المطلة على شارع الدائري وبعض فروعه يئنون من سلب حقوقهم. 

شوارعهم تحولت لمستنقعات، ودخولهم وخروجهم إليها مرهون بما لا يرضاه أحد منا.  سلبت حقوق هؤلاء لعام كامل، وها هو عام جديد يبدأ ولم يلق أحد بالاً لهؤلاء.

أين أنتم يا من خرجتم لاستلاب حقوقكم من "النظام" الظالم الفاسد، أين أنتم تسلبون هؤلاء حريتهم وحقوقهم؟  ماذا تقولون؟  أهذا يبرر إستمراركم في الظلم؟  ومن يقتص منكم؟  هل سألتم يوماً أنفسكم؟

الحقيقة التائهة

الحقيقة التائهة

قد لا أجاوز الصواب إذا أدعيت أننا في اليمن بلد الحقيقة التائهة.  والحقيقة تتوه في بلادنا منذ أول يوم نخرج فيه للدنيا.  فبخلاف ما أعطى الله البشر من نعمة تنظيم حياتهم، يولد الطفل لدينا ولا يجري تسجيله أو الاعتراف بوجوده، ولا يعتبر هذا "جرما" كما تنص عليه قوانين البشر التي طوروها، بل أمراً أعتيادياً، وللوالدين حق تعديل هذا الميلاد متى شاءا.

تصبح الحاجة لشهادة الميلاد أمراً واقعاً، إن رغب الوالدان بإدخال الطفل للمدرسة، ورغم كل القوانين لا تزال رغبة الأهل هي المعيار الأول والأخير، وفي الشهادة من يتذكر متى جاء هذا للدنيا، وما قيمة اليوم أو السنة، المهم أن تكون الشهادة كافية لإدخاله المدرسة.

سرعان ما نكتشف كم كنا "أجواداً"- وهو تعبير يمني يدل على بساطة التفكير وليس الكرم- عند تصديقنا لكل ما يقال، وعند أيماننا بقيم ومبادئ لا يلتزم بها حتى أقرب الناس إلينا.  ونحتار فيما نقرأ ونشاهد، وكيف نتعامل ونتصرف.

دوي هائل من الصحف والقنوات والمواقع ولهم جرا، ومرة أخرى أعذروني، إن أطلقت على أصحابها بأصحاب الأقلام المأجورة، فلا تستطيع من ذلك الدوي تبين الحقيقة مهما كانت بسيطة.

اليوم فقط، ننتظر الدقائق لنتحقق، يوم الغد الأثنين وبعده الثلاثاء إجازة رسمية، مئات المواقع والرسائل والأتصالات، كلها تؤكد الأمر، ولكن أين هو البيان الرسمي في الإعلام الرسمي؟  أين الحقيقة في ذلك؟  وننتظر وننتظر؟  أيذهب أولادنا بعد ساعات للمدرسة أم لا؟

وننتظر وننتظر... لا شيء... وكالعادة تتوه الحقيقة....

الأربعاء، 25 يناير 2012

بين أحلام التغيير وأوهامه


بين أحلام التغيير وأوهامه
قبل حوالي اثني عشر شهراً بدأت الأزمة في اليمن تشتد وتأخذ منحى آخر، في مثل هذا اليوم بالتحديد، عندما شاهد اليمنيون كغيرهم من البشر، شاهدوا تنحي الرئيس المصري عن منصبه بعد أيام فقط من بدء الاحتجاجات، بعد هذا اليوم بالذات ترآي لليمنيين حلم التغيير، ومثل إسقاط مبارك حافزاً لا يمكن إهماله.  حينها فقط لم تكن المعارضة مستعدة بعد، بل إنها لم تكن تعتقد بإمكانية تكرار المشهد المصري، والدليل على ذلك ما منيت به من فشل في دعوتها للتظاهر التي لم تلق التجاوب المأمول، واستمرت لأسابيع طوال تماطل، تارة تتحاور مع النظام الحاكم، وتارة لا تبدي موقفاً واضحاً.

مرت الأيام وتحولت الاحتجاجات البسيطة التي قام بها طلاب جامعة صنعاء إلى بذرة أستثمرتها قوى المعارضة بسرعة، ولم يتمكن النظام الحاكم في اليمن من مقاومة المد، المد الذي تمثل في تعاطف شعبي عارم، ورغبة في التغيير.  هو حلم طالما راود كل يمني، حلم بمستقبل يتخلص فيه اليمني من أوحال علقت به فلم يعد يستطيع التقدم.  الفساد لوث مناحي الحياة، بدءاً من السياسة وأربابها، وانتهاء بالمواطن العادي الذي استمرأ الفساد فصار سلوكاً يومياً ومرضاً عضالاً.  أنقلبت أسس الحياة رأساً على عقب، تبدلت القيم وتغيرت، وسيطرت نزعة المصلحة على كل ما يحيط بالإنسان، أصبحت المثل نكتة يتغنى بها الجميع، والنزاهة طيفاً من الأحلام.  أصبح اللص شجاعاً، والمرتشي جرئياً، والمعتدي مقداماً، وأصبح الأمين جباناً، والصادق رعديداً، والعادل لا يتماشى مع العصر.

إمتلأت أفواه اليمنيين بالقات، والأغلبية تعافه وتلعنه، وتنافسوا على كل شيء، وتحولت علاقات الناس إلى ضرب من النفاق الإجتماعي تغلب عليه المصلحة، وتنازع الأقارب والأباعد على المصالح والمال، ولم يترك أحدهم وسيلة من وسائل الكذب والتدليس إلا استخدمها لينتزع مصلحته سواء بحق أو بغير حق من أخيه.
اصبحت الثروة هي كل ما يهم، فتهافت الناس على الأراضي، واستخدموا كل وسيلة للكسب، أنشأوا المشاريع والمؤسسات والشركات، ولم تسلم الجمعيات والمنظمات الخيرية التي تدر ذهباً على أصحابها، وأصبح كل شيء للبيع، كل شيء.
جاءت الموجة عاصفة، وجاء كل بحلمه، في مستقبل "أنظف"، وتصور الكثيرون أن هذا المد لا يمكن أن ينكسر، وكانت ذكرى مشاهد مصر حاضرة، وتحولت الاحتجاجات إلى مهرجان كبير، مهرجان للإبداع أستطاع فيه الكثيرون من التعبير عن أنفسهم، وكادت تتحول لتسونامي يقضي على أدران وأوحال علقت على مدى سنون وعقود، بل وقرون بالمجتمع اليمني، ولكن هيهات.
سرعان ما استفاقت القوى التي رأت في هذا المد هلاكاً محدقاً، وتحركت بكل قوتها، تحركت لحماية نفسها، ركبت الموجة، أثقلتها، وأوجدت لنفسها موطئاً ومكاناً داخلها، ولم يستطع أحد منع هذه القوى وهي تدعي "دعمها" للتغيير، وهي لا تريد سوى حماية نفسها، وسرعان ما تحولت تلك القوى لموجة مضادة كسرت تلك الموجة قبل أن تصل لهدفها.

أصبح التغيير مرهوناً إذن بهؤلاء دون غيرهم، وأصبح اليمنيون كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولكن الوقت كان قد أزف ولم يعد لدى اليمنيين خيار سوى السير لآخر الطريق.  التغيير لم يعد سوى حالة من العناد لا بد من السير فيها، ونتائجه لم تعد تعني شيئاً للكثيرين، فذلك الزخم إنتهى، وتلك الأسس النبيلة التي بني عليها لم تعد سوى طرفة مضحكة مبكية بعد أن أثبتت الأحداث أن القادمين على تلك الموجة، والذين هم أساس الداء قد تحولوا إلى دواء.

التغيير تحول إلى وهم كبير بعد أن تم تقسيم الكعكة من جديد، وبعد أن تغيرت بعض الوجوه.  ذهبت أحلام التغيير التي أتت في لحظة تاريخية قد لا تعود لعقود، كلها ذهبت أدراج الرياح، ورجع اليمنيون لبيوتهم يندبون حظهم العاثر، ويتمنون فقط أن يعودوا لسنوات "عجاف" مضت، ينعمون فيها بأحلام قد تتحقق.

السبت، 7 يناير 2012

سلسلة البلطجي والثورجي: الحلقة 22: سبت مبارك



سلسلة البلطجي والثورجي: الحلقة 22: سبت مبارك
 
<b>حلقات : البلطجي والثورجي.....واليمنجي
تعريفات:
قيل أن البلطجي هو الشخص الذي يناصر النظام سواء بالقوة أو بمجرد الكلمة، ويعتقد أن ذلك ناتج عن حصوله على مقابل مادي،
وقيل أن الثورجي هو الشخص الذي يناصر حركة الاحتجاجات وما يعرف "بالثورة"، ويعتقد أن ذلك أيضاً ناتج عن حصولة على مقابل مادي،
أما اليمنجي فقد فرض على بقية اليمنيين أن يلحقوا ال جي بأنفسهم حتى لا يتوهوا في الزحمة ويخسروا الأجر!
</b>
الحلقة 22: سبت مبارك

اليمنجي: ايش هذا من تغيير بالله عليكم، أمورنا من السنة الماضية من سيء إلى أسوأ، وحتى تفاؤلنا بالمبادرة الخليجية ما كانش في محله، يعني لا أمورنا صلحت ولا شي، الكهرباء على حالها ماتزورنا إلا ساعة أو ساعتين في اليوم، وأعمالنا معطلة، وشوارعنا قدهيه بتعبر عن حالنا، من قمامات وأوساخ، إلى مرور فوضوي، إلى مسلحين، إلا عشوائية في كل شي، وقد صار كل شارع مقوات... لا حول ولا قوة إلا بالله.

الثورجي: ليش أنتم ضد التغيير، متى عتفهموا أنكم بتمشوا عكس الزمن، متى توعوا إن التاريخ ما يرجعش للوراء، العجلة دارت وشتدوس على من يقف في الطريق، أتركوا عنادكم وأنظموا لركب المستقبل، كفاكم الحياة في الماضي، التاريخ لن يرحمكم، والمستقبل للمنتصرين، ونحن المنتصرون.  النظام الفاسد راح إلى غير رجعة، والمستقبل أمامنا.

 البلطجي: يا أخي أنتو هكذا فاهمين غلط، إحنا بنقول طيب نتغير، لكن لازم يكون التغيير للأحسن، يعني يكون في هدف للتغيير ويكون الهدف واضح في مصلحة المجتمع، القضية مش علي عبدالله صالح، القضية كيف يكون في توجه نحو المستقبل على أسس سليمة، وإلا فقد مصبح أجمل.

الثورجي: أنتوا معاندين، تشاءوا بس يبقى الرئيس وشلته الفاسدة، شوف كيف تغيرت الأمور، كل يوم بيقلعوا فاسد من الفاسدين، والأمور طيبة والناس متفائلين، شوفوا الشوارع قلت  المتارس وتحسن الأمن، شوفوا هذي الأمور وبطلوا تشاؤم، كيف الحكومة مالهاش 30 يوم، كيف شيصلحوا ما تخرب في ثلاثين سنة، أتقوا الله.


البلطجي: يعني خلاص ما ذلحين قد الحكومة حلا؟  وما عدتشتوش ننتقدها.  والله إنها حكومة عمى وضما، وأنت عتشوف، من أين جاءوا هذولا، عادهم جاوعين والأيام بيننا.  وبعدين أحنا نشتي على الأقل الأمور ترجع 11 شهر، وإلا حتى 6 شهور، على الأقل كان عندنا كهرباء نص اليوم، وكانت أمورنا طيبة.


اليمنجي: والله إننا مع التغيير، شبعنا فساد وظلم ومستقبل مجهول، شبعنا الدولة الضعيفة التي سيطر عليها المتنفذين والقبايل، كلنا نشتي عدل ومساواة، كلنا نشتي مستقبل لأطفالنا، كلنا فرحنا عندما بدأت حركة التغيير، حسينا أن في أمل في مستقبل أفضل، وكلنا خرجنا ضد الظلم وضد الفساد. لكن اليوم شبعنا تغيير، شبعنا تغيير.  يا ريت تخرج تشوف الشارع، شوف كيف أخلاق الناس تغيرت، كأنهم وحوش كانت محبوسة، لا ذوق ولا أدب، زمان اشتكينا من فساد بعض المسئولين، واليوم ما عدلقيناش مواطن صالح..... 


البلطجي: والله إن عندك حق، قد الفساد عم الصغار والكبار، كإن المقصود بالتغيير يكونوا  الناس كلهم فاسدين.  قالوا مش عاجبهم الرئيس وشلته، أما اليوم فقدهم كلهم في الهواء سواء...وزادوا الفاسدين.


الثورجي: أنتبهوا أنتوا بتتكلموا على ناس شرفاء، سمعتوا أيش قال وزير المالية، شيخرج بسيارته اللي دخل بها، الله على من أخلاق عالية، لا تتهموش الناس بالباطل.


اليمنجي: اسمعوا أهم قرارات الحكومة الجديدة، قالوا الاجازة جمعة وسبت، الله الله.


البلطجي: أنا عارف كان هذا قانون صدر من فترة طويلة وكانوا يخافوا يطبقوه لأن الناس عيعترضوا... المهم اليوم قد معانا ثلاثة أيام نخزن بها... الخميس للأعراس والمناسبات، والجمعة قديه أجازة، والسبت... مبارك.....