الأحد، 31 ديسمبر 2017

الأمام عبدالملك، سلطة لن تدوم



الإمام عبد الملك وسلطة لن تدوم!


طالما قرأنا عن ظلم الأئمة للشعب اليمني، وكيف جعلوه يقبع لعقود، إن لم نقل قرون، في مجاهل التاريخ، يعاني العزلة والجهل والفقر والمرض. الأمر جلي واضح، فلم يكن هناك في اليمن ما لا يتعدى أصابع اليدين من المدارس إبان قيام الجمهورية العربية اليمنية التي أنهت حكم الأئمة. يسري الأمر على الصحة حيث لم يكن هناك إلا عدد محدود من المستشفيات، وكذلك هو الأمر على بقية جوانب الحياة التي ظلت بدائية إلى حد كبير حتى قيام الجمهورية.

لقد أعتمد الأئمة على أسلوب التجهيل والعزلة كوسيلة للسيطرة على الشعب اليمني، ويحكي التاريخ أن الفئة الصغيرة التي حصلت على نصيب من التعليم والمعرفة، مثل ضباط الجيش والقضاة وغيرهم، هذه هي التي سعت لتغيير الواقع، من خلال الدعوة للتحديث والانفتاح على العالم، ولكن الإمام يحيى كان أبعد ما يكون للاصغاء لهذه الدعوات، لذلك جرت محاولات للتخلص منه كعقبة أمام أنشاء الدولة اليمنية الحديثة، ولكن تلك المحاولات فشلت، لينتقل الحكم من بعده إلى ابنه أحمد، الذي كان أكثر انفتاحاً في بداية عهده، لكن أقل من طموحات وتطلعات الثوار ومن وراءهم الشعب اليمني. الشواهد على سعي الأئمة لإبقاء الشعب اليمني تحت غطاء من الجهل لا تحصى، ولعل أكثرها وضوحاً قيام الأئمة بإغلاق المعاهد التعليمية الصناعية التي أنشأها الاتراك في صنعاء، والتي مازالت الآثار شاهدة عليها حتى اليوم، حيث حولوها لقصور لهم. لقد أكتفى الأئمة بعدد محدود من المعاهد الدينية التي كانوا يسيطرون عليها، وكانوا يعتقدون أن ذلك هو الضمان لبقائهم على رأس الحكم في اليمن.

يضاف لما سبق أن الأئمة لم يكونوا ينظرون للشعب اليمني كرعيه تقع عليهم مسئولية رعايتهم، بل كانوا يرون أنفسهم أقرب للسادة الذين إن أرادوا اسبغوا العطايا على الناس، وإن شاءوا منعوها. في هذا المقام قصة تحكى عن الأمام يحيى حميد الدين. حيث ضرب اليمن الجفاف والمجاعة في عام 1943. كان أبناء تهامة هم الأكثر تضرراً، وقد تساقط بعضهم جوعاً وفارق الحياة، بينما سعى البعض للسفر إلى صنعاء طلباً للغوث، ومات كثير منهم في الطريق إلى صنعاء، وحتى الذين تمكنوا من الوصول لصنعاء مات منهم الكثير في صنعاء. في ذلك الوقت كان القاضي يحيى محمد الارياني رئيسا للاستئناف، وقد ساءه الوضع، فقام مع زملائه بارسال رسالة للإمام يحيى يحثوه فيها على توفير الحبوب لإغاثة أهل تهامة، وأشاروا في رسالتهم أن ذلك من حق المسلمين على الحاكم، وحثوه على مساعدة من وصل إلى صنعاء أيضاً. جاء رد الإمام يحيى كما يلي " أمرنا باستقبال الواصلين من المطالبة إلى صنعاء وسكنهم في العرض الدفاعي، ودفن من ماتوا على حسابنا بثيابهم فالحي أفضل من الميت، وما يكفي الخلق إلا الخالق". وبذلك رفض انقاذ الجوعى من الموت لشحه، واظهر عنصرية مقيته بوصفة الهاربين من الموت ب "المطالبة".

مع كل مثالبهم، تمكن الأئمة من السيطرة على البلاد لقرون، فبالإضافة لاعتمادهم سياسة العزل والتجهيل، كانوا يدركون إلى حد كبير خصوصية الفئات المختلفة في اليمن، ويعملون لها حساباً. كانوا يستعينون بالفئات المختلفة في إدارة شئون البلاد، كانوا يختارون بدقة الأشخاص الذين يعتمدون عليهم، وبرغم تفضيلهم الواضح لمن هم من بني هاشم، إلا أنهم كانوا يتجنبون لحد كبير إظهار تعصبهم للمذهب أو الطائفة، مراعاة للآخرين، وتجنباً لإثارة الفتنة، وفي هذا المقام قصة تحكى عن الأمام يحيى.

تقول القصة أن طلاب المدرسة العلمية في صنعاء، وهي مدرسة دينية كانت تدرس علوم الدين واللغة العربية، دخلوا في نقاش، تطور إلى جدال ثم عراك حول علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وقد كان أساس هذا الخلاف مذهبي بالطبع، فشتمت فئة معاوية، وردت الأخرى بشتم علي. وصل الأمر للإمام يحيى، الذي أمر بحبس من شتموا معاوية (أو أصحاب صنعاء كما تقول القصة)، ثم جمع أصحاب منزل- (وهو تعبير عن السكان في مناطق اليمن الأوسط والغربية التي لا تؤمن بالمذهب الزيدي) وقال لهم: "هيا قد حبسناهم، وانتوا... الذي في قلبه خبث يخليه في قلبه". توضح هذه القصة كيف أن الأمام يحيى تجنب إثارة الفتنة من خلال حبس الفئة الأقرب إليه، لئلا يقال عنه إنه تعصب ضد الشوافع.

بعد أكثر من نصف قرن، أو 55 عاماً بالتحديد، من نجاح الثورة على الأئمة، والتي قال الشعب اليمني فيها أنه يرفض الحكم الملكي الكهنوتي، نجد أنفسنا وكأننا نعود لنقطة الصفر. بل ما هو أدنى من الصفر. منذ أيام قالت المذيعة في إذاعة صنعاء أن عبد الملك الحوثي، "الذي هو من سلالة النبوة"، هو الذي "يستحق دون غيره قيادة البلاد"، بل والأدهى من ذلك أن قالت أنه "قاد البلاد إلى النصر ضد الأعداء"، في وقت يعيش اليمنيون أسوأ ايامهم منذ عقود، يعانون من الخوف والجوع والمرض، تأتي هذه لتبشرنا أن اليمن انتصر في المعركة، ولا أحد يدري عن أي معركة تتحدث. عشرين مليون يمني يعاني من الجوع، عشرات الآلاف يعانون من الكوليرا، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تدهور مستمر، في وقت امتنعت حكومة الحوثي عن دفع رواتب لأكثر من مليون موظف، في هذا الوقت تأتي البشرى بأن عبد الملك الحوثي هو الإمام المنقذ.

الإمام الجديد الذي يتحدث من مخبئه لم يدرك بعد أن الشعب اليمني قد تحرر من عهود الاستعباد. إنه مازال يعيش أوهام السيطرة والسلطة على أشلاء الأبرياء، وآهات الجوعى، وآلام الموجوعين. لعله لم يعلم أن الشعب اليمني عندما ثار قبل نصف قرن، دفع ثمناً باهضاً لحريته. إن الشعب اليمني اليوم لن يرضى بالسير وراء أوهام واساطير الكهنوت، التي ترى أن السلطة حق مكتسب بالدم أو بالعرق. إن الزمن الذي كان فيه سيد وعربي قد أنتهى وولى إلى دون رجعة.

إن رجال، ونساء، وأطفال اليمن، احرار، لا سيد عليهم إلا الله، ولا حاكم عليهم إلا دستور بلدهم. إن الزمن لا يمكن أن يعود للوراء، مهما كان إرهاب  عبدالملك الحوثي وجماعته، ومهما بلغت طموحاته المجنونة في الكرسي. الشعب اليمني زيوده، وشوافعه، ومن مختلف القبائل والأنحاء قد انعتق من العبودية للسيد، فذلك زمن لا يمكن أن يعود. اليمني عاش شامخاً حراً، وسيظل كذلك. لن يفلح الحوثي بتجويعه للناس ومنعهم من التعبير عن رايهم في كسر إرادة اليمني في الحرية. وستظل ثورة 26 سبتمبر رمزاً لهذه الإرادة مهما طال الزمن.


الأحد، 3 أبريل 2016

وحدة اليمن- دروس من يوغسلافيا

وحدة اليمن ودروس من يوغسلافيا

تمر اليمن اليوم بمرحلة صعبة وهامة من تاريخها، ليس فقط بسبب الحرب التي أشعلتها السعودية قبل عام عامل من اليوم والتي تسببت في خسائر بشرية فادحة إضافة بالطبع للخسائر الاقتصادية التي من الصعب تقديرها نظراً لاستمرار عمليات القصف من جهة، ونظراً لاستمرار المعارك حتى هذه اللحظة.

أهم ما يميز ما يمر به اليمن هو ما يجري من تمهيد لتقسيم اليمن على أسس دينية، باعتبار أن الفئة المسيطرة على الحكم في اليمن هي من فئة الزيود، ويتم بشكل متعمد تعميق الفجوة من خلال الحديث عن كونهم "شيعة" وبالتالي الدفع بالشوافع الذين يمثلون "السنة" نحو النزاع معهم. بالرغم من الشرخ الذي نجح السعوديون بخلقه في اليمن، إلا أنه يعتقد أن الأغلبية من اليمنيين لاتزال تؤمن بوحدة المصير دون النظر إلى الاختلاف في المذهب، كما يعتقد أيضاً أن اليمنيين لايزالون إلى حد كبير يؤمنون بوحدة بلدهم بالرغم مما أحدثه وتحدثه الحرب من شروخ في العلاقات بين الأطراف المختلفة. لاتزال صنعاء، عاصمة اليمن، تمثل الوحدة بكل أطيافها، يتعايش فيها سكان اليمن من مختلف الأطياف دون خوف، وللآن لم يحدث ما يعكر هذه الوحدة الاجتماعية، ولايزال اليمنيون في مختلف المناطق، باستثناءات قليلة، يتعايشون بعيداً عن التطرف.

عند النظر للتجربة اليوغسلافية قد نجد منها عوامل متشابهة، وأخرى مختلفة. في يوغسلافيا جرى تفكيك وحدة البلد إلى عدة دول بناء على اعتبارات طائفية دينية، واختفت تلك الدولة لتولد دويلات غير قادرة حتى الآن على الحياة في عالم مبني على التكتل. بدأت الأزمة اليوغسلافية في الواقع بأزمة اقتصادية حادة خلال الثمانينات، وفي الدولة اليوغسلافية الفيدرالية كانت جمهوريات سلوفينيا وكرواتيا أفضل حالاً من الناحية الاقتصادية، لذا بدأت بأتخاذ إجراءات لحماية نفسيهما مع نهاية الثمانينات من القرن الماضي، في ذلك الوقت تولي ميليسوفيتش السلطة في صربيا، وقد وجد ميليسوفيتش أن استخدام الوطنية الصربية مناسب للحصول على دعم الصرب، وقد وجد الكروات والسلوفان ذلك فرصة لطلب تخفيف قبضة الدولة الاتحادية اليوغسلافية. سرعان ما انتشرت عدوى الوطنية الطائفية لدى الكروات والسلوفان، بعيداً عن العامل الاقتصادي، وتحولت الأزمة إلا مطالبات بالاستقلال التام، وقد رفضت الدول الغربية استقلال جمهوريات يوغسلافيا في البداية ودعمت الاحتفاظ بدولة واحدة.

استخدم السياسيون في يوغسلافيا المشاعر الوطنية لتحقيق مكاسب سياسية، وأضافوا إليها صوراً تعد بتحقيق الرفاة في الدول التي ستنفصل. لقد كان من السهل على السياسيين رسم صور خادعة للشعوب حول المكاسب الهائلة التي يمكن تحقيقها في حال الحصول على الاستقلال من الدولة اليوغسلافية، خاصة في ضوء الازمة التي كانت تمر بها البلاد، وهكذا صوت برلمان سلوفينيا ومن بعده برلمان كرواتيا على الاستقلال، وتم تنظيم استفتاءين صوت فيهما السلوفان والكروات بأغلبية على الاستقلال عن الدولة اليوغسلافية. هذا احدث شرخاً في الدولة اليوغسلافية نمت من خلالها النغمة الوطنية الصربية، وكان من الطبيعي أن تنمو أيضا مخاوف الأقليات الصربية التي تسكن كرواتيا. في هذه الاثناء سعت البوسنة لدعم فكرة الاحتفاظ بالدولة الفيدرالية نظراً لأنها تضم الكروات والصرب إضافة للمسلمين.

نجت سلوفينيا من الحرب نتيجة لعدم وجود أقليات ونتيجة للتدخل السريع من المجتمع الدولي، أما في كرواتيا وبالرغم من أن الدول الغربية حاولت تجنب الصراع من خلال الاعتراف باستقلالها، إلا أن الاعتراف بالاستقلال كان أحد اهم الأسباب للدخول في حرب إبادة طائفية.  غرقت كرواتيا التي كان لديها أقلية صربية، ومثلها البوسنة والتي كانت تتكون من المسلمين والصرب والكروات في حرب إبادة طائفية، وذلك بعد أن أعلنت الأقليات بدورها رغبتها في الاستقلال عن الدول المستقلة.

لقد ذهبت جهود المجتمع الدولي لحفظ كيان يوغسلافيا مهب الرياح، كما فشل المجتمع الدولي في تجنيب المنطقة حرباً طائفية ستظل آثارها تنساق على أجيال كثيرة قادمة، وجعلت من الدويلات المستقلة كيانات صغيرة وهشة غير قادرة فعلياً على تحقيق أي من الرفاه الذي تم تصويره للناس كواقع.

يختلف الأمر في اليمن، فليس هناك طوائف بالمعنى الذي نجده في يوغسلافيا، إلا أن وجود المذاهب يلعب دوراً مشابها. يستخدم السياسيون في اليمن الاختلاف المذهبي كعنصر في صراعهم على تحقيق مكاسب سياسية، وقد بدأ الأمر مبكراً عندما قامت الحركة الحوثية في صعدة، بغطاء ديني، للوصول للسلطة. الحرب اليوم ليست إلا أداة مكملة يتم استغلالها أيضاً لتحقيق المكاسب وبنفس الاسلوب، التوظيف المذهبي. لن يجد السعوديون مبرراً لحربهم في اليمن، ولن يجد الحوثيون مبرراً لتوسعهم، ولن تجد الأصولية الدينية مبرراً لحربها، الجميع لا يجدون أفضل من الخطاب الديني لاستقطاب عامة الناس. تتفق أطراف الصراع في اليمن على تصوير الحرب بوصفها صراع بين  "الزيود" و "السنة". يخاطبنا الاعلام اليوم بأن إيران "الشيعية" على وشك الاستيلاء على اليمن عبر الحوثيين، ويحقق مروجو هذا الخطاب هدفين في نفس الوقت، الأول إثارة مشاعر الاستعداء ضد إيران بناء على أسس دينية أو طائفية، وبذلك يستطيعون استقطاب السنة ليس في اليمن فحسب، بل في السعودية وغيرها من الدول التي تتخذ مذاهب سنية، ويجدون بذلك وقوداً لحربهم، أما الهدف الثاني فهو تسويق الحرب في العالم الغربي وإظهار أن السعودية تعمل على تحجيم التوسع الإيراني، خاصة بعد  توقيع إيران للاتفاق النووي. هنا نجد البعد الإقليمي للحرب في اليمن.

ذاكرة العامة قصيرة، فسرعان ما تنسى الأحداث ويستغل السياسيون هذا الأمر فيرجون لمشاريعهم، ومع أن الصورة تتضح يوماً بعد يوم، وتنكشف عورات السياسيين، تستمر اللعبة، ويظهر الدين كمطية سهلة الركوب. بالأمس كان الإصلاحيون يكفرون الاشتراكية، تحالفوا مع صالح "المؤمن حينها" ضد كفر الاشتراكيين، ثم ما لبث الاصلاح والاشتراكي أن تحالفوا ضد صالح، حارب قادة الإصلاح الحوثيين ثم رحبوا بهم في 2011 في حربهم ضد صالح، دعت السعودية لمحاربة "الرافضة المجوس" في اليمن ثم ما لبثت أن استقبلت الحوثيين وتباحثت معهم، بالرغم من أنهم مازالوا هم انفسهم لم يتغير في عقائدهم شيء.

في اليمن يبدو التسويق لإنفصال الجنوب على أشده. فيجري الحديث عن انفصال الجنوب وانفصال مناطق الشوافع، بنفس الطريقة التي جرى فيها التسويق للنغمات الوطنية في كرواتيا وسلوفينيا. يسعى السياسيون إلى استغلال الأزمة التي تمر بها البلاد لخداع الناس من خلال تصوير المستقبل الوردي في حال تم الانفصال. يجري الحديث عن الثروة الهائلة التي يمتلكها الجنوب، ويجري الحديث عن "التسلط الاقتصادي" للشمال تارة والزيود تارة أخرى. يجري الحديث عن الفساد الذي يقوده "الشماليون" "الزيود" ، كما يجري بالطبع الحديث عن استغلال "الشماليين" للسلطة وفشلهم في تقديم نموذج تنموي ناجح. إذن فالحل "من وجهة نظر السياسيين الذي يستغلون هذا الوضع لتحقيق مصالحهم الذاتية" هو "استقلال الجنوب" وفي أحسن الظروف "استقلال الشوافع".

الصراع العسكري الحالي يتم استغلاله لزيادة المسافة الفاصلة بين مختلف فئات المجتمع اليمني. القتل الذي يحدث في تعز يسوق له بصفته من مصدر واحد، وهو الحوثيين "الرافضة"، كما يجري التسويق للقتل الذي تقوم به الطائرات السعودية بصفتها آلة الموت السنية. مع ذلك فلم تتمكن تلك الشروخ من فت عضد المجتمع اليمني بعد.

بحسب القانون الدولي فإنه لا مسوغ لتقسيم اليمن أو الدعوة لذلك، ولا شك أن تجربة المجتمع الدولي في يوغسلافيا حاضرة، فالتقسيم لا يعني أبداً تجاوز الصراعات. إذن فإنه يبدو أن العالم لا يزال متمسكاً بوحدة اليمن، ولو مؤقتاً، إلا ما نشر عن إعادة ترتيب الشرق الأوسط. السعودية ودول الخليج ليس لها مصلحة في تقسيم اليمن، بل إن تقسيم اليمن لن يكون بمعزل عن تبعات على تلك الدول، فلو تم على أسس مذهبية، وهو الأرجح، فستكون السعودية أولى الدول التي سيلحقها هذا المرض من خلال استقلال المناطق الشرقية والجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، وهذه المرة نتحدث عن طائفة شيعية أكثر قرباً وتوافقاً مع إيران، كما ستلحق بها البحرين والكويت التي بها طوائف شيعية كبيرة.

استمرار اليمن كبلد موحد لن ينجح بدولة الأقاليم التي يروج لها، فاليمن بإمكانياتها المادية والبشرية والتنظيمية لا تملك أدنى مقومات النجاح لهذا النموذج المركب، الارجح أن وجود دولة تمتلك الحد الأدنى من النظام المحكم يمكن أن يخرج اليمن من أزمتها. المشكلة هو كيفية الوصول لذلك بعد أن دارت عجلة الصراعات الداخلية بدعم خارجي. إن استمرار الإحتراب الداخلي سيؤدي حتماً إلى تأجيج المشاعر لدى الجماهير، وبالطبع سيكون البعد الديني الطائفي هو المطية التي سيركبها أمراء الحرب، فهل تنجو اليمن منه؟
 

الخميس، 25 فبراير 2016

القافلة

 
 
القافلة

أتى من أقاصي الأرض، دفعته الرغبة، دفعه الجنون، في وقت يبحث الآخرون عن طريق للهروب يجد نفسه يسير بالاتجاه المعاكس، أراد أن يلقي نظرة، لعله الشوق أو لعله الشعور بالذنب، دفعه أن يغامر، ولم يكن يدري لماذا، غير أنه وجد نفسه يسير على الطريق. كان يعلم بمخاطر الطريق، قد يقفوا في طريقه، قد يستجوبوه، قد يمنعوه من مواصلة سفره، قد يتهموه بالإرهاب، قد يمنعوه من العودة، لا أحد يستطيع معرفة ما قد يفعلوه فقد أصبح كغيره من أبناء بلده "متهماً" ليس فقط بأنه آت من بلاد بعيده، بل لأن تلك البلاد متهمة بالشيء وضده.
انطلقت الطائرة بموعدها، وما هي الا ساعات وإذا هي في عاصمة بلاد السحر، باريس. لم يكن له من باريس إلا مطارها الذي بدا متواضعاً، كان متوجساً شراً من أولئك. ماذا لو قرروا أنه متهم، ماذا لو استجوبوه، سيسألونه: ما الذي أتى بك، وما هو مقصدك من السفر إلى بلاد الموت؟.
لم يعترض طريقه أحد، لم يسأله أحد من أين أتيت، ولا إلى أين أنت ذاهب؟
في مطار عمان، طلبوا منه أن يقف جانباً، هناك أوراق وتحريات يجب أن تملأها، فأنت لست كبقية البشر، نعم جئت من الغرب، لكن دماءك واوراقك من بلاد أصبحت من اعدائنا. ملأ الورقة، سلمها لرجل يجلس خلف حاجز. رفع الأخير رأسه بعد أن ألقى نظرة على الجواز قائلاً: يمني، أسبوعين بس. ثم عاد يكرر: رح اعطيك أسبوعين بس. رد على الرجل: يوم واحد، انا مسافر واحتاج لإقامة يوم واحد. وكأن ما قاله لا يعني ذلك الرجل الذي كرر: أسبوعين، ثم ألتفت باحثاً عن المشرف عليه وما لبث ان سأله: اليمنيين كيف؟ وانتظر لدقائق حتى جاءه ليؤكد له أسبوعين وتسمح له بالدخول.
تذكر مناسبات عدة، سنوات وهو يقف في الأردن، كان يأتيها لزيارة، وتذكر الترحاب الذي كان يلقاه، وتساءل، حتى تغير هو؟، تغير العاملون بالمطار، أم تغير الزمن؟، مرت الساعات في عمان وحان وقت الرحيل من جديد، تواردت الأفكار وكأن الزمن أبى إلا أن يعود به قروناً عدة، ورأى نفسه على قافلة وأمعن النظر فيها.
القافلة: كُنتُم تجاراً، وكانوا لصوصاً
كنتم تجاراً، كانت قوافل تجارتكم تأتي من الشرق محملة، كُنتُم حلقة الوصل بين عالمين في وقت لم يكن العالم قد أدرك بعد الحضارة كما نعرفها، ولا عرف المدنية التي كنتم تعيشون في ظلها. وكانوا لصوصاً، نعم كانت صنعتهم هي الإغارة على قوافلكم لسرقتها، كانوا يقتاتون من ذلك، كان الغدر أكثر ما أتقنوه خلق......ومرت الأيام.
القافلة سترحل اليوم من الشمال، من عمان، ولكن لا ندري متى ترحل، اترحل في الفجر ام في الصباح، احضروا فأمير القافلة طلب الحضور ليلا قبل الرحيل بساعات طوال، سبع ساعات او ثمان او اكثر. اتشتكون؟، اتتذكرون زمانا رحلتم فيه شهوراً؟
كونوا في رحلتكم مستعدين لإغارة الاعراب عليكم، ماذا يريدون؟ مالاً، مؤن؟، ذلك ما يقوله تاريخهم، ولكنهم اليوم يملكون المال، المال الكثير، فما الذي يريدونه؟ يريدونكم اذلاء فحسب.
البعض يقول أنهم يريدونكم ان تدخلوا دينهم! اي دين ذلك؟. يقولون انكم كفرتم، نعم كيف تكفرون دون ان يحاسبوكم أليسو هم وكلاء الله على الارض؟ ألم يضع بيته في ارضهم؟ إذن فلا بد ان ترضخوا لهذا "الحق".
مهلاً! اتعتقدون ان الله راضٍ عما يقومون به؟ أهو العدل؟..... يبدو انه كذلك وإلا لما اتفقت ارادتهم مع إرادة سادة الأرض، القوى العظمى، التي رضي الله عنها.
إذن فهي إرادة الله ولا شك. إرادة الله ان يقوم اغنياؤه بإهانة واذلال فقراؤه. "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
أهو العدل إذن؟ لا بد انه كذلك..
صلوا لخالقكم ان أرسل لكم رجالا من عباده يهدونكم. نعم في الماضي كانوا لصوصاً، ولكن الله جعلهم ائمة، يهدون الناس. نعم يغيرون عليكم اليوم، يقطعون الطريق، لكنهم لا يبغون مالاً، بل لأنهم رسل الله.
احمدوا الله كثيرا، فلا احد يدري ما الذي كان سيحل بكم، لو لم تقف قوافلكم لديهم، كُنتُم ستستمرون في غيكم، في ضلالكم، وقد تخسروا الآخرة، كما خسرتم الدنيا.
أم أنهم يمارسون هواية عمرها آلاف السنين؟ لا يهم ما جنوه من ثروة اخرجها "كفار" هذا الزمن من باطن الارض، ولا يعنيهم ذلك شيئاً، فإحياء التراث امر مهم.
الم تلاحظوا استهدافهم للآثار، هذا ثأر تاريخي لا تمحي آثاره السنون.
هناك رعاية اممية، وهناك شرعية يدافعون عنها، وهم يدافعون عن حقوق الانسان، إنسانهم هم فهو يتوق لهذا التراث العريق!
احذروا وخذوا مؤنكم، فالله وحده، بل ليس الله ولكن وكلاء الله على الارض يعلمون كم ستطول الرحلة.
اليوم ليسو بحاجة إلى خيول وسيوف، اليوم يغيرون بطير أبابيل!
"وتلك الأيام نداولها بين الناس"
 

الجمعة، 3 أبريل 2015

قبحكم الله أيها العرب- أصحاب عاصفة_الجزم


قبحكم الله أيها العرب   3 ابريل 2015

بعد عشرة أيام من أعتداء دولي على اليمن يقوم بقصف البلاد ليل نهار وخلف أكثر من خمسمائة قتيل،
اليوم تنظم تركيا لحلف العدوان على اليمن بإعلانها أستعدادها لتقديم الدعم للعدوان، وتكتمل الصورة، التحالف السني البغيض  للعدوان على اليمن، السنة اليوم يحاربون الشيعة على أرض اليمن، السنة يتقربون إلى الله بذبح شباب وأطفال ونساء اليمن.  أيعقل أن يرضى الله عن عدوانكم؟

اليوم يقول المحللون الاستراتيجيون "السنة" بأن العرب أفاقوا ليقاوموا النفوذ الإيراني، ولكن يبدو أن الصراع هو صراع مذهبي بغيض.  لست أدري من أعطى السنة الحق في قصف اليمن، الذي يقول السنة انفسهم أن الحوثيين لا يمثلون أكثر من 10% منه، وإذا كان العرب يرغبون في محاربة أيران، إليست العراق أقرب من اليمن، أقول العراق لأن هؤلاء "العريبة" لن يجرءوا على محاربة ايران إلا بالوكالة...

الا تعلمون أن الإمارات التي تحتل إيران جزرها هي أكبر شريك تجاري لإيران؟

قبحكم الله أيها العرب!

الثلاثاء، 31 مارس 2015

أيها الأعراب


ايها الأعراب

لا فضل لكم، نعم لا فضل لكم أن نبي الإسلام عربي، وهو القائل "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".  لا فضل لكم أيها الاعراب، فالاسلام لم يكن لينتشر لو أنه اعتمد عليكم. دين الله نشره المؤمنون من غيركم ممن كان لهم فضل في العمل لخدمة دينه، ولو أعتمد عليكم، كان الآن لايزال في حدود مكة!

ألم تسمعوا قول الله "والاعراب أشد كفراً ونفاقاً"  هذا قول الله على لسان نبيه، فأي حجة لكم؟  وأي فضل تدعونه؟.  أيها الاعراب لقد انتشر دين الله بجهود غيركم ونشأت حضارة اسلامية أثرت معارف البشرية، وكان معظم العلماء من المسلمين، نعم، ولكنهم الأغلبية لم يكونوا عرباً، بل إن من وضع قواعد لغتكم ليس بعربي، وعظماء وفلاسفة المسلمين لم يكونوا عرباً.

أيها الأعراب لقد أعطاكم الله شرفاً ببدء رسالة الأسلام في بلادكم، ولكن لا فضل لكم في ذلك، فلا تدعوا أي فضل، ولا تعتقدوا أنكم تمثلون الأسلام وأن لكم مكانة خاصة فيه. إنطلاق هذا الدين في دياركم أمر أراده الله لحكمته، وليس لكم أي حق في إدعاء ملك هذا الدين أو التميز عن الآخرين، إلا بتقواكم!.

من الله عليكم بما لم يعط غيركم من الأمم والشعوب من ثروة، ومرة أخرى، لا فضل لكم أبداً فيها، فقد أكتشفها واستخرجها غيركم، ولم يكن لكم يوماً فضلاً في شيء، فأصبحتم مستهلكين تجلبون كل ما ترديونه.  بنيتم وشيدتم بلادكم دون فضل منكم، فغيركم هو من يبني وغيركم هو من يشيد.

"يا أهل الكفر والنفاق"، كما وصفكم الله، هأنتم اليوم برغم ما تجلسون عليه من ثروات ونعم من أسفل وأحط الأمم.  هأنتم تعيشون أذلة مدحورين.  بلدانكم مفككه، وشعوبكم متناحرة، وتعيشون في ذيل العالم، فلا معرفة ولا تقدم ولا حضارة.  أنتم تعيشون مثل أرذل الأمم، فلا أحد يحترمكم، فأنت أكثر الشعوب تشرداً، وأقلها ثراء، برغم ما تجلسون عليه من ثروة.  حياتكم يملؤها النفاق، نساؤكم مستضعفات مستعبدات.  تدعون الفضيلة، وأنتم أكثر الشعوب فسقاً وفاحشة، تدعون للحق وأنتم أكثر الأمم إنغماساً في ظلم الآخرين وظلم أنفسكم.

أيها الأعراب، هأنتم قد قسمتم دين الله إلى نحل وملل متناحرة، وأنشأتم جماعات وعصابات شوهت دين الله وجعلت الحكيم ينفر منه.  ها هو صراعكم يزيدكم تشرداً وذله.  ها هي بلادكم محتلة وأنتم محتقرون أينما ذهبتم.  فسقكم من جهة، وعنفكم من جهة، وتجردكم من الإنسانية من جهة ثالثة جعلت العالم يزدريكم.

أيها الاعراب، يا أهل النفاق، هأنتم اليوم تسلمون شأنكم لغيركم، وتعيشون عيش الأنعام.  بالأمس سلمتم العراق لألد أعدائكم، قدمتموه على طبق من فضة، ثم تناحرتم بغبائكم وقصر تفكيركم فدمرتم دمشق وقضيم على طرابلس، واليوم بأيديكم تنسفون أقدم عاصمة عرفتها الإنسانية، صنعاء.

أيها الاعراب، متى ما علمتم أنه لا فضل لكم، ومتى ما تخليتم عن أوهامكم، ومتى توقف غنيكم عن إزرداء فقيركم، ومتى ما عملتم مثل بقية شعوب الله، وسعيتم نحو تحقيق أحلامكم أنتم، فسيكون لكم أن تفخروا بأنفسكم، أما اليوم فسحقاً، وتباً لكم.

وشكراً آل يهود الأوفياء


وشكراً آل يهود الأوفياء
 28 مارس 2015

بعد موقف نصر الله الذي نراه كعلم وسط عالم من السواد، يأتي موقف اليهود اليمنيين في إسرائيل والذين أعلنوا فيه رفضهم لما يجري من اعتداء على اليمن، بلاد اجدادهم.  هؤلاء الذين نرى فيهم ألد أعداء العرب، ونرى فيهم ألد أعداء المسلمين نرى منهم وقفة مشرفة، تشرف كل إنسان يتمتع بالإنسانية، فمرحى بكم وبموقفكم الذي لا ينبع من نفاق أو مصالح، وخسئتم اخوتنا العرب والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وانتم تصمتون على اعتداء سافر على بلد ضعيف وشعب لم يقم يوماً بالإعتداء على أحد.  لقد حق لنا نحن اليمنيون أن نقول شكراً آل يهود لوفائكم.
 

السبت، 28 مارس 2015

شكراً نصر الله


شكراً نصر الله 
28 مارس 2015

لم أكن يوماً شيعياً ولا أتخيل أني سأكون ليس لشيء إلا لأني عزوف عن تقديس الأشخاص، وأومن ألا أحد من البشر يستحق أن يكون في منزلة أعلى، وإن كنت أرى أن الأنسان يمكن أن يتميز بما يفعله، لكن ذلك لا يستوجب شيء أكثر من الأحترام.

أبعد أكثر من مائة كيلومتر عن صنعاء، وعشرات الكيلومترات عن أقرب هدف محتمل للحرب التي تشنها الطائرات على اليمن منذ يومين، وقد أمتلئت النفس غصة وحسرة، فلعل وجودي في مكان الحدث سيخفف من إحساس بالذنب، لا أدري.  في هذه القرية الصغيرة يبدو الناس منهكين، نخرج من صلاة الجمعة فلا شيء إلا كلمات سلام قليلة تخرج من الأفواه.  الإنكسار هو السمة الغالبة على وجوه الناس فلا رغبة في الحديث، وحتى أولئك الذين نعتقد أنهم سيكونون سعيدين بما يحدث، وحتى خطيب الجامع الذي سمى ابنته "توكل"، لهج بالدعاء على المعتدين، وتلى سورة الفيل.

في هذا الجو الذي غاب فيه الأمل، ووسط الخوف من المجهول وأثر ذلك على حياة الناس، ووسط أخبار القصف المستمر على صنعاء، والحرب التي تزداد ضراوة، وبينما نقلب القنوات التلفزيونية لنسمع ونرى علامات النصر على شفاه ووجوه العرب الكالحة، وإذا نحن نبحث عن بصيص أمل بتوقف العدوان، فلا نجد إلا دعوة هزيلة من رئيس اليمن السابق الذي تقول القنوات بأنه أحد المستهدفين من الحرب، إذا بطلة لحسن نصر الله.

مر زمن منذ فكرت بمشاهدة نصر الله، فهو محسوب على الحوثيين، وهو الذي أطل قبلها لمرات ليعلن انتصاراتهم، ولكوني معارضاً للحوثيين وما يقومون به، فلم يكن لي أدنى رغبة بمشاهدة خطاباته، بالرغم من علمي المسبق بأنه "اكثر القادة العرب طلاقة وأوسعهم حجة ومنطقاً".  توقفت لأستمع فإذا هو يتحدث عن الحرب على اليمن.

بدا الحديث منطقياً، قوي الحجة ومنظماً، أوصل الرسائل لمن أراد أن يستمع، أنتقد "العرب" الذين قرروا مهاجمة اليمن بحجة أنها اصبحت تحت السيطرة الإيرانية، وبين أن هؤلاء "العرب" انفسهم هم الذين رموا بالعراق وسورية وغيرها من البلدان لأحضان إيران، وفي نفس الوقت أنكر مبرر الحرب قائلاً بأن الحقيقة هي أن السعوديون رأوا اليمن تخرج من بين أيديهم ومن تحت سيطرتهم.

أنتهى الحديث بالتأكيد على فشل العدوان على اليمن مهما بلغت القوة المستخدمة. لقد استطاع نصر الله تعرية العدوان، وبعث قليل من الأمل في نفوس "مهزومة"، فشكراً نصر الله، ظهرت قائداً وعظيماً في وقت غاب فيه الرجال عند هؤلاء "العرب".