الأربعاء، 13 فبراير 2019

الذكرى الثامنة




ثمان سنوات كاملة مرت منذ بدء أحداث الربيع العربي الشهيرة، أحداث بدأت في تونس وانتشرت كالنار في الهشيم لتشمل مصر وليبيا واليمن وسوريا، إضافة لبعض الدول التي تمكنت من السيطرة عليها كالأردن والمغرب وعمان والبحرين. يأتي فبراير لينكأ جراحاً في قلوب الجماهير في معظم الدول العربية التي ركبتها تلك الموجة، ويشترك المؤيدون والمعارضون على حد سواء في هذه استجرار هذه الآلام، وإن حاول البعض أن يظهر أحتفاءه بالمناسبة فالواقع يقول أن هذا الاحتفاء ليس إلا من قبيل المكابرة. المؤيدون للربيع العربي من الشباب والعامة ممن حملوا أحلاماً بريئة وأملوا بإيجاد نظم حكم أكثر عدالة، سرعان ما وجدوا كل أحلامهم سراباً، أما المؤيدين ممن وجدوها فرصة للوصول للسلطة فلم يحققوا مرادهم أيضاً، باستثناءات محدودة. في المقابل نجد المعارضين للربيع الذين فقدوا ما بأيديهم، وخسروا كل شيء.

كان الربيع موسماً ازدهرت فيه الآمال، آمال العرب جميعاً، بل وربما آمال العالم المحب ايضاً. كان ربيعاً مبهراً، انبعثت فيه الحياة ببراعم بدت قوية، وازهار تتبختر بألوانها الزاهية، كان انبعاثاً ربيعياً بحرارة الصيف وقوته، وكأن الأرض قررت فجأة أن تجود بأسباب قوة اضافية، خلاف ما تفعله عادة، وكأن الكون قد أدخر لهذا الموسم منذ زمن طويل هذه الطاقة الجبارة.

بدت حركة الشعوب تلقائية، وكانت المطالب بسيطة، ولا تتعدى أحلام البسطاء، التخلص من الفساد والالتزام بالقانون كطريق لرفض التسلط وتحقيق العدالة. لكن شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" كان أكثر من ان يكون بسيطاً. وظهرت عناصر تقود الجماهير التي كانت تطير بأحلامها. ولم يكن ظهورها تلقائياً، ولا من قبيل الصدفة. تلك القيادات أتت من رحم معارضة الأنظمة وكانت الأكثر تنظيماً، وقد استغلت الظرف وركبت الموجه، لتصبح بسرعة موجهة السفينة وسيدة البحر الهائج. كانت قدرة تلك القيادات هائلة على استقطاب الجماهير من حولها، ولكن لم يكن لديها من الخبرة ما يمكنها من قيادة السفينة لبر الأمان. وسرعان ما أنكشف امرها، وظهر عجزها عن مواجهة الواقع. لكن ذلك لم يثنيها، فلم تشأ أن تعترف بخطئها، ولا كانت مستعدة للتنازل عما حققته من مكاسب. وكأن عدوى "النظام" المنقلب عليه قد اصابها. ولم يكن لدى الجماهير التي لم تكن تطالب إلا بشيء من العدالة، إلا السير وراء تلك القيادات.

زخم انتفاضات الربيع العربي كان قصيراً، لعله كان متأثراً بإسمه كموسم قصير، فقد استمرت المظاهرات والاعتصامات لأيام قليلة، جرى خلالها وضع تسويات في بعض الدول مثل تونس ومصر واليمن، بينما اجتاح العنف دولاً أخرى. في تلك التسويات السياسية تمكنت جماعات الاسلام السياسي من الوصول للحكم، وانحسرت موجة الاحتجاجات برغم اصرار بعض الشباب الذين لم يكونوا ضمن صفقات التسوية على استمرارها. واستمر بالطبع الصراع السياسي، ولم تتمكن جماعات الاسلام السياسي، التي ورثت الحكم، من الحفاظ على مكاسبها، فتراجعت الجماعة في تونس ونجحت في الحفاظ على الحد الادنى من مكاسبها، والمحافظة على البلاد من الانجرار للفوضى، أما في مصر فلم تتمكن الجماعة من استثمار انتصاراتها المتكررة، ولم تكن مستعدة للتخلي عن مكسب واحد، لتجد نفسها وقد خسرت كل شيء، بل ودفعت البلد دون وعي لعقود من الزمن إلى الوراء. أما في اليمن فقد تمكن تحالف جماعتي الاسلام السياسي الرئيسيتين، الأصلاح والحوثيين، وبرغم وقوفهما على طرفي نقيض، تمكنتا من تقويض سيطرة نظام الرئيس صالح وحزبه على الحكم، لكن لم يكن لديهما، كما يبدو، خطة للاشتراك في حكم البلاد بعد صالح، فبدأت الحرب بين الحليفين اللدودين بمجرد توقيع التسوية السياسية، ليتمكن الحوثيون بعدها من خداع الجميع والاستئثار بالحكم، ويصيبهم داء السلطة فيدفعوا بالبلد إلى حرب متعددة الأطراف والأهداف، ويحولوها إلى ساحة صراع مفتوح بلا أفق لنهايته.

في سوريا وليبيا لم يكن متوقعاً أن تنجح أي احتجاجات شعبية، فأنظمتهما لم يكونا ليسمحا بتوسع تلك الاحتجاجات، ولما يتمتع به البلدان من اهمية كبيرة فقد تدخلت أطراف دولية وقدمت الدعم بكافة صوره للجماعات المعارضة، ليتوسع الصراع ويتحول البلدان إلى ساحتي حرب تقودهما مصالح وتجاذبات دولية  لا يبدو لها نهاية.



ثمان سنوات مرت ولا تزال الدول الربيعية تمر في نفق مظلم، لا يبدو في أفقه من ضوء. فقد انحسرت فيها آمال الجماهير العربية، وتبخرت أحلامها، وتحولت الشعوب الثائرة إلى شعوب منكسرة مقهورة ومغلوبة في أحسن الأحوال، وفقيرة جائعة يائسة وبائسة في أسوأها. تحولت أحلام الربيع العربي إلى كوابيس خريف تتساقط فيه أوراق الحياة في اليمن وسوريا وليبيا، بينما تكاد في مصر وتونس. ثمان سنوات قوضت  الاسس التكوينية للبلدان العربية، وأخرجت نار التطرف والأختلاف من بين الرماد. نار أحرقت عشرات الآلاف من البشر، وأصاب أوارها عشرات الملايين.

لعل أكثر ما يحبط الانسان العربي ليس فشل الجماهير في إحداث التغيير المنشود فحسب، بل انسداد الأفق. لقد أضحت الجماهير أكثر عجزاً اليوم مما كانت عليه قبل ثمان سنوات، فهي تستكين لجماعات دينية متطرفة وأنظمة أكثر ظلماً وقمعية. إذن فنتائج أحداث العام 2011 الربيعية وما تبعها سلبية، ولا يمكننا تبرير الفشل الحالي بأماني التغيير المستقبلي، ولا الادعاء أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان. إن خريف العدم الذي يعيشه الفرد العربي وتعيشه الجماهير العربية كارثي بكل المقاييس، وسيذكرها التاريخ كفترة ضعف وتراجع.

في ظل هذه الاوضاع يستمر التجاذب بين مبرر لانتفاضات الربيع، بصفتها ثورات شعبية مبرره ستؤتي أوكلها لا محالة، وبين من يعتبرها حركة تخريبية أنتجت معاناة يمر بها ما لا يقل عن 145 مليون انسان عربي (أكثر من 42% من سكان الدول العربية). لعل أهم ما يرتبط بمفهوم الثورة، بغض النظر عن التعريف الأكاديمي لها وعن الشكليات المتعلقة بالأنظمة أو الدساتير، هو وجود تغيير اجتماعي ايجابي. السؤال الذي لا يزال مطروحاً، هل هناك من تغيير، او يلوح في الافق أي تغيير اجتماعي ناتج عن أحداث الربيع 

إذا كان هناك من عبره نأخذها من "تجربة الربيع العربي"، أن صح التعبير، فهي أنه ما لم يكن لدى الفرد العربي من القيم والمبادئ ما يخلق في قلبه الرغبة في تغيير واقعه نحو الأفضل، والقدرة على السير نحو هدفه وحماية مستقبله، فإن تغيير الأطر لن يحقق شيئاً، بل سيجلب المزيد من الأوجاع. أن فشل الجماهير مهما كانت أهدافها نبيلة ومبررة، وهي كذلك، ليس إلا تعبيراً عن فشل نخب المجتمع وقادته، وبدونهم لا جدوى من حركة الجماهير. إن ذلك بالتالي تعبير عن فشل الفرد العربي الذي هو اساس التغيير، فربيع الفرد يجب أن يسبق ربيع الجماعة.

الجمعة، 23 فبراير 2018

كوابيس الربيع


كوابيس الربيع

( كوابيس ايقظتني في ليل شتاء قارص وطويل، مثلما ايقظتني، كطفل، احلام ربيع مبكرة في ليالي شتاء ٢٠١١)
مع اننا أمة لا تمتلك الا التاريخ نفتخر به ونعيش على أطلاله، الا اننا قلما نستفيد من دروس وعبر التاريخ، وقلما نستخدم تلك الدروس في صنع مستقبلنا. في حاضرنا المؤلم ومستقبلنا المظلم، لنراجع بعض الأحداث التاريخية لبيان ما ذكرته.
في الثمانينات من القرن الماضي حاول الاسلاميون في الجزائر الوصول للسلطة عبر الانتخابات، وحتى قبل ان يستلموا الحكم أشاروا الا انهم سيغيروا قواعد اللعبة، وكان ما كان من انقلاب منعهم من تسلم السلطة وأشعل حرباً أهلية استمرت لأكثر من عقد من الزمان ودمرت فيه الجزائر كبلد غني بالموارد.
في التسعينيات من نفس القرن، وبعد ان قاتل العراق ايران لأكثر من عشر سنوات، لمنع تصدير الثورة الإيرانية، وبدعم من دول الخليج خاصة والدول الغربية، استدرج العراق الى فخ الكويت ليتم بعد ذلك وبأيد خليجية وعربية تدمير العراق تحت مبررات وذرائع متعددة أقبحها تخليص العراق من الدكتاتورية وإقامة نظام ديمقراطي. وسقط العراق محتلاً ثم ضحية لحروب طائفية كانت متوقعة، والأنكى من ذلك انه تحول، اي العراق، الى جرح في خاصرة دول الخليج والدول العربية عامة، وأداة لتصدير الثورة الإيرانية. ولم يبق للعراقيين من وطن.
تحت مبررات محاربة الدكتاتورية والانظمة الفاسدة والتوريث، اشتعلت نيران الربيع العربي، واستدرجت الجماعات الاسلامية لقيادة تلك الثورات لانها كانت الأكثر تنظيماً وقدرة على تحريك الشارع. وقعت تلك الجماعات في فخ يشبه تلك الذي وقعت فيه الجماعة في الجزائر، وقعت جميعها. لم تتعلم من درس الجزائر ولا حتى تعلمت من تجارب دول الربيع العربي نفسها. سقطت ليبيا، وفشلت مصر، وتبعتها اليمن، ولم يتعلم العرب شيئاً من أكبر كارثة إنسانية صنعوها في سوريا. ويبدو ان البقية ستلحق فالاردن يغلي والبحرين.

تحول واقع العرب الراكد، الى مستنقع لا حياة فيه، وأصبحت الدول العربية اكثر مناطق العالم تصديراً للاجئين الهاربين من جحيم، ليس جحيم الأنظمة المستبدة، بل نار الجماعات المستبدة التي لا حدود لاستبدادها، بل والقناعات المستبدة، ليتحول الربيع العربي وأحلامه الى سراب، بل الى كابوس شتاء طويل لا ينتهي.
قيس علي الارياني

الأحد، 4 فبراير 2018

أحلام فبراير

4 فبراير 2018
أحلام فبراير
مع بداية فبراير يحتدم الصراع اللفظي بين مؤيدي فبراير ومعارضيه. وتحتدم المعركة وكأن السنوات السبع لم تأت بجديد!

فبراير هو تاريخ مقدس لدى البعض، بداية "لثورة أسقطت نظاماً دكتاتورياً" استمر 33 عاماً في حكم اليمن. هو بداية للتحرر والانعتاق من نظام بني على المحسوبية والمصالح المركبة التي جعلت اليمن حكراً على جماعة بذاتها، هو بداية نحو مستقبل أفضل. هكذا يرى رواد فبراير 2011، وهؤلاء يعتبرون التشكيك في نتائجه جريمة كبرى، خيانة للوطن، خيانة لمن ضحوا لأجل التخلص من نظام صالح. هؤلاء يرفضون التضحية بمعتقدهم، "فبراير أتت لتعتق اليمنيين" في رأيهم، وهؤلاء هم أسرى لأحلام لا تفارقهم.

أنا حلم شاب، حلم فتاة يمنيان يتطلعان للمستقبل، حلم أنسان يمني يحدوه الأمل. إنسان تملأ قلبه الشجاعة، فهو قادر على أن يخلق مستقبل أفضل، ووطن أقوى، وحياة أجمل. حلم وطن يمني يتسع للجميع، وطن تسوده العدالة والحرية، وطن يتساوى فيه اليمنيون، ووطن ينعمون فيه بالرفاه والعيش الكريم. حلم يمنٍ خالٍ من الفساد، لا وجود فيه للمنحرفين الذين يستغلون السلطة لمصالحهم الخاصة.
حلمنا إذن واحة "غنية بالموارد الطبيعية، النفط والغاز والمعادن، الزارعة، والصناعة، والبحار والأسماك، وموارد أخرى لا تنتهي"، تلك "تغني كل اليمنيين وتجعلهم يعيشون في بحبوحة من العيش". إنه حلم نظام حكم عادل، لا ملك فيه ولا سلطة إلا للقانون. نظام يؤدي فيه الفرد واجباته ويحصل على حقوقه فحسب. حلمنا وظيفة لكل شاب، بل لكل يمني. حلمنا يفتح اليمن حتى للمغتربين في العالم ليعودوا ويشاركوا في نهضة ورفاه "اليمن الجديد" وليكونوا جزءاً منه. حلمنا يمناً قوياً يصارع الأقوياء وينتصر. حلمنا يمناً في مصاف الدول المتقدمة.
أنا حلم شاب بعمل يفتح أبواب المستقبل، حلم موظف بأن ينصفه عمله، حلم أم بأن يجد طفلها تعليماً محترماً، وحلم مريض بأن يجد في وطنه مستشفى يداوي علته. أنا حلم طالب بمدرسة مجهزة ومعلماً محترماً، وحلم متقاض بقاض عادل، ودولة تعينه على رفع الظلم عنه. أنا حلم أرملة ومطلقة وكل امرأة بأن تجد من ينصفها، وحلم يتيم وفقير بأن يجد من يعينه.
يصحو بعض الحالمين، والبعض فقط. منهم من يأخذ نصيباً من الكعكة، هؤلاء الذين فاوضوا على أحلام البقية، وفازوا بحصة. هل أدرك هؤلاء مبكراً أن الاحلام أماني، ومنها ما يكون سراباً؟. هل كانوا مخلصين في حلمهم؟، هل أخلصوا في عملهم؟، ولكن هل يهم هذا الآن؟
الكثيرون يستمروا في نومهم، وتستمر أحلامهم. نحن النائمون مازلنا نرى فتحاً مبيناً. احلامنا تزداد تعقيداً بعد أن استمرأناها. ها هو هامش الحرية نراه يزداد بدون حدود، سلطة الفرد تقلصت، بقي القليل ويسقط النظام ونقضي على "رأس البلاء". لقد ضحينا بأمننا واستقرارنا وشيء من حياتنا، لا يهم إن عانينا قليلاً، لأن "القادم أجمل"، ولأننا سنصل لما نريده. صحيح نحن لا نرضى عن البعض أو الكثير مما نراه، ولكنه شر لا بد منه. لنصبر، لن نفقد ايماننا أبداً. نرى شيئاً يشبه الكوابيس يتخلل أحلامنا الجميلة، أحلام فبراير!، لكن لا يهم، لنتغاضى عنها، لأننا نحلم بشيء كبير، شيء يستحق منا التضحية اليوم.
تزداد كوابيسنا نحن الحالمون، ومنا من يصحو ويراجع نفسه، لكن ليس الجميع. كثيرون منا لازالوا في سباتهم. تحاول أذهانهم ألا تفقد لذه تلك الأحلام، في خضم من الكوابيس يزداد هيجاناً. نرى وحوشاً تقف في طريق أحلامنا، وتزداد تلك الوحوش لتفصلنا عن حلمنا. وحوش من مختلف الألوان تتصارع. من أين جاءت تلك الوحوش يا ترى؟، من أحلامنا نفسها، لقد خلقناها وربيناها دون أن ندري. تركناها تنمو وتكبر يوماً بعد يوم، ولم نلتفت لها وهي كل يوم تستولي على المزيد من حياتنا، تفصلنا عن حلمنا، بل وتجعل حياتنا تزداد تعقيداً، وتزداد تلك الكوابيس عتواً. ها هي تتمكن من أحلامنا الكبرى. ها هي أحلامنا تصغر، ومعها تصغر نفوسنا. ها هي أحلامنا تعود صغيرة. نريد أمناً لنا ولأولادنا، نريد ما يطفئ ضمانا ويسكت جوعنا.
تضاءل حلم فبراير فغدا كابوساً لا نهاية له. أصبحت كوابيسنا تملك علينا حياتنا. عجزنا عن كل شيء. أصبحنا ننتظر من يرق قلبه ليملأ بطوننا الجائعة، أو يداوي الجرحى، أو يحن على الثكالى. أصبحت نفوسنا حبيسة الخوف. لم نعد قادرين حتى على الحديث إلى أنفسنا عن جبننا وعجزنا. لم يعد لدينا القدرة على التفكير في جبروت القوة الذي يحيط بنا من كل جانب، ذلك الذي يخنقنا، ناهيك عن الثورة عليه.

نحن الحالمون، فقدنا كل شيء، إلا قدرتنا على أن نثبت لأنفسنا أنا حلمنا لن ينتهي. سننتظر فقط، لأن ذلك هو جل ما نستطيع فعله الآن. لكننا لن نسمح لأحد أن يتهمنا بأننا نحن السبب، أو أن حلمنا، أو قل كابوسنا كيفما شئت،  هو السبب، أو اننا واهمون وغارقون في السراب.

الأحد، 31 ديسمبر 2017

الأمام عبدالملك، سلطة لن تدوم



الإمام عبد الملك وسلطة لن تدوم!


طالما قرأنا عن ظلم الأئمة للشعب اليمني، وكيف جعلوه يقبع لعقود، إن لم نقل قرون، في مجاهل التاريخ، يعاني العزلة والجهل والفقر والمرض. الأمر جلي واضح، فلم يكن هناك في اليمن ما لا يتعدى أصابع اليدين من المدارس إبان قيام الجمهورية العربية اليمنية التي أنهت حكم الأئمة. يسري الأمر على الصحة حيث لم يكن هناك إلا عدد محدود من المستشفيات، وكذلك هو الأمر على بقية جوانب الحياة التي ظلت بدائية إلى حد كبير حتى قيام الجمهورية.

لقد أعتمد الأئمة على أسلوب التجهيل والعزلة كوسيلة للسيطرة على الشعب اليمني، ويحكي التاريخ أن الفئة الصغيرة التي حصلت على نصيب من التعليم والمعرفة، مثل ضباط الجيش والقضاة وغيرهم، هذه هي التي سعت لتغيير الواقع، من خلال الدعوة للتحديث والانفتاح على العالم، ولكن الإمام يحيى كان أبعد ما يكون للاصغاء لهذه الدعوات، لذلك جرت محاولات للتخلص منه كعقبة أمام أنشاء الدولة اليمنية الحديثة، ولكن تلك المحاولات فشلت، لينتقل الحكم من بعده إلى ابنه أحمد، الذي كان أكثر انفتاحاً في بداية عهده، لكن أقل من طموحات وتطلعات الثوار ومن وراءهم الشعب اليمني. الشواهد على سعي الأئمة لإبقاء الشعب اليمني تحت غطاء من الجهل لا تحصى، ولعل أكثرها وضوحاً قيام الأئمة بإغلاق المعاهد التعليمية الصناعية التي أنشأها الاتراك في صنعاء، والتي مازالت الآثار شاهدة عليها حتى اليوم، حيث حولوها لقصور لهم. لقد أكتفى الأئمة بعدد محدود من المعاهد الدينية التي كانوا يسيطرون عليها، وكانوا يعتقدون أن ذلك هو الضمان لبقائهم على رأس الحكم في اليمن.

يضاف لما سبق أن الأئمة لم يكونوا ينظرون للشعب اليمني كرعيه تقع عليهم مسئولية رعايتهم، بل كانوا يرون أنفسهم أقرب للسادة الذين إن أرادوا اسبغوا العطايا على الناس، وإن شاءوا منعوها. في هذا المقام قصة تحكى عن الأمام يحيى حميد الدين. حيث ضرب اليمن الجفاف والمجاعة في عام 1943. كان أبناء تهامة هم الأكثر تضرراً، وقد تساقط بعضهم جوعاً وفارق الحياة، بينما سعى البعض للسفر إلى صنعاء طلباً للغوث، ومات كثير منهم في الطريق إلى صنعاء، وحتى الذين تمكنوا من الوصول لصنعاء مات منهم الكثير في صنعاء. في ذلك الوقت كان القاضي يحيى محمد الارياني رئيسا للاستئناف، وقد ساءه الوضع، فقام مع زملائه بارسال رسالة للإمام يحيى يحثوه فيها على توفير الحبوب لإغاثة أهل تهامة، وأشاروا في رسالتهم أن ذلك من حق المسلمين على الحاكم، وحثوه على مساعدة من وصل إلى صنعاء أيضاً. جاء رد الإمام يحيى كما يلي " أمرنا باستقبال الواصلين من المطالبة إلى صنعاء وسكنهم في العرض الدفاعي، ودفن من ماتوا على حسابنا بثيابهم فالحي أفضل من الميت، وما يكفي الخلق إلا الخالق". وبذلك رفض انقاذ الجوعى من الموت لشحه، واظهر عنصرية مقيته بوصفة الهاربين من الموت ب "المطالبة".

مع كل مثالبهم، تمكن الأئمة من السيطرة على البلاد لقرون، فبالإضافة لاعتمادهم سياسة العزل والتجهيل، كانوا يدركون إلى حد كبير خصوصية الفئات المختلفة في اليمن، ويعملون لها حساباً. كانوا يستعينون بالفئات المختلفة في إدارة شئون البلاد، كانوا يختارون بدقة الأشخاص الذين يعتمدون عليهم، وبرغم تفضيلهم الواضح لمن هم من بني هاشم، إلا أنهم كانوا يتجنبون لحد كبير إظهار تعصبهم للمذهب أو الطائفة، مراعاة للآخرين، وتجنباً لإثارة الفتنة، وفي هذا المقام قصة تحكى عن الأمام يحيى.

تقول القصة أن طلاب المدرسة العلمية في صنعاء، وهي مدرسة دينية كانت تدرس علوم الدين واللغة العربية، دخلوا في نقاش، تطور إلى جدال ثم عراك حول علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وقد كان أساس هذا الخلاف مذهبي بالطبع، فشتمت فئة معاوية، وردت الأخرى بشتم علي. وصل الأمر للإمام يحيى، الذي أمر بحبس من شتموا معاوية (أو أصحاب صنعاء كما تقول القصة)، ثم جمع أصحاب منزل- (وهو تعبير عن السكان في مناطق اليمن الأوسط والغربية التي لا تؤمن بالمذهب الزيدي) وقال لهم: "هيا قد حبسناهم، وانتوا... الذي في قلبه خبث يخليه في قلبه". توضح هذه القصة كيف أن الأمام يحيى تجنب إثارة الفتنة من خلال حبس الفئة الأقرب إليه، لئلا يقال عنه إنه تعصب ضد الشوافع.

بعد أكثر من نصف قرن، أو 55 عاماً بالتحديد، من نجاح الثورة على الأئمة، والتي قال الشعب اليمني فيها أنه يرفض الحكم الملكي الكهنوتي، نجد أنفسنا وكأننا نعود لنقطة الصفر. بل ما هو أدنى من الصفر. منذ أيام قالت المذيعة في إذاعة صنعاء أن عبد الملك الحوثي، "الذي هو من سلالة النبوة"، هو الذي "يستحق دون غيره قيادة البلاد"، بل والأدهى من ذلك أن قالت أنه "قاد البلاد إلى النصر ضد الأعداء"، في وقت يعيش اليمنيون أسوأ ايامهم منذ عقود، يعانون من الخوف والجوع والمرض، تأتي هذه لتبشرنا أن اليمن انتصر في المعركة، ولا أحد يدري عن أي معركة تتحدث. عشرين مليون يمني يعاني من الجوع، عشرات الآلاف يعانون من الكوليرا، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تدهور مستمر، في وقت امتنعت حكومة الحوثي عن دفع رواتب لأكثر من مليون موظف، في هذا الوقت تأتي البشرى بأن عبد الملك الحوثي هو الإمام المنقذ.

الإمام الجديد الذي يتحدث من مخبئه لم يدرك بعد أن الشعب اليمني قد تحرر من عهود الاستعباد. إنه مازال يعيش أوهام السيطرة والسلطة على أشلاء الأبرياء، وآهات الجوعى، وآلام الموجوعين. لعله لم يعلم أن الشعب اليمني عندما ثار قبل نصف قرن، دفع ثمناً باهضاً لحريته. إن الشعب اليمني اليوم لن يرضى بالسير وراء أوهام واساطير الكهنوت، التي ترى أن السلطة حق مكتسب بالدم أو بالعرق. إن الزمن الذي كان فيه سيد وعربي قد أنتهى وولى إلى دون رجعة.

إن رجال، ونساء، وأطفال اليمن، احرار، لا سيد عليهم إلا الله، ولا حاكم عليهم إلا دستور بلدهم. إن الزمن لا يمكن أن يعود للوراء، مهما كان إرهاب  عبدالملك الحوثي وجماعته، ومهما بلغت طموحاته المجنونة في الكرسي. الشعب اليمني زيوده، وشوافعه، ومن مختلف القبائل والأنحاء قد انعتق من العبودية للسيد، فذلك زمن لا يمكن أن يعود. اليمني عاش شامخاً حراً، وسيظل كذلك. لن يفلح الحوثي بتجويعه للناس ومنعهم من التعبير عن رايهم في كسر إرادة اليمني في الحرية. وستظل ثورة 26 سبتمبر رمزاً لهذه الإرادة مهما طال الزمن.


الأحد، 3 أبريل 2016

وحدة اليمن- دروس من يوغسلافيا

وحدة اليمن ودروس من يوغسلافيا

تمر اليمن اليوم بمرحلة صعبة وهامة من تاريخها، ليس فقط بسبب الحرب التي أشعلتها السعودية قبل عام عامل من اليوم والتي تسببت في خسائر بشرية فادحة إضافة بالطبع للخسائر الاقتصادية التي من الصعب تقديرها نظراً لاستمرار عمليات القصف من جهة، ونظراً لاستمرار المعارك حتى هذه اللحظة.

أهم ما يميز ما يمر به اليمن هو ما يجري من تمهيد لتقسيم اليمن على أسس دينية، باعتبار أن الفئة المسيطرة على الحكم في اليمن هي من فئة الزيود، ويتم بشكل متعمد تعميق الفجوة من خلال الحديث عن كونهم "شيعة" وبالتالي الدفع بالشوافع الذين يمثلون "السنة" نحو النزاع معهم. بالرغم من الشرخ الذي نجح السعوديون بخلقه في اليمن، إلا أنه يعتقد أن الأغلبية من اليمنيين لاتزال تؤمن بوحدة المصير دون النظر إلى الاختلاف في المذهب، كما يعتقد أيضاً أن اليمنيين لايزالون إلى حد كبير يؤمنون بوحدة بلدهم بالرغم مما أحدثه وتحدثه الحرب من شروخ في العلاقات بين الأطراف المختلفة. لاتزال صنعاء، عاصمة اليمن، تمثل الوحدة بكل أطيافها، يتعايش فيها سكان اليمن من مختلف الأطياف دون خوف، وللآن لم يحدث ما يعكر هذه الوحدة الاجتماعية، ولايزال اليمنيون في مختلف المناطق، باستثناءات قليلة، يتعايشون بعيداً عن التطرف.

عند النظر للتجربة اليوغسلافية قد نجد منها عوامل متشابهة، وأخرى مختلفة. في يوغسلافيا جرى تفكيك وحدة البلد إلى عدة دول بناء على اعتبارات طائفية دينية، واختفت تلك الدولة لتولد دويلات غير قادرة حتى الآن على الحياة في عالم مبني على التكتل. بدأت الأزمة اليوغسلافية في الواقع بأزمة اقتصادية حادة خلال الثمانينات، وفي الدولة اليوغسلافية الفيدرالية كانت جمهوريات سلوفينيا وكرواتيا أفضل حالاً من الناحية الاقتصادية، لذا بدأت بأتخاذ إجراءات لحماية نفسيهما مع نهاية الثمانينات من القرن الماضي، في ذلك الوقت تولي ميليسوفيتش السلطة في صربيا، وقد وجد ميليسوفيتش أن استخدام الوطنية الصربية مناسب للحصول على دعم الصرب، وقد وجد الكروات والسلوفان ذلك فرصة لطلب تخفيف قبضة الدولة الاتحادية اليوغسلافية. سرعان ما انتشرت عدوى الوطنية الطائفية لدى الكروات والسلوفان، بعيداً عن العامل الاقتصادي، وتحولت الأزمة إلا مطالبات بالاستقلال التام، وقد رفضت الدول الغربية استقلال جمهوريات يوغسلافيا في البداية ودعمت الاحتفاظ بدولة واحدة.

استخدم السياسيون في يوغسلافيا المشاعر الوطنية لتحقيق مكاسب سياسية، وأضافوا إليها صوراً تعد بتحقيق الرفاة في الدول التي ستنفصل. لقد كان من السهل على السياسيين رسم صور خادعة للشعوب حول المكاسب الهائلة التي يمكن تحقيقها في حال الحصول على الاستقلال من الدولة اليوغسلافية، خاصة في ضوء الازمة التي كانت تمر بها البلاد، وهكذا صوت برلمان سلوفينيا ومن بعده برلمان كرواتيا على الاستقلال، وتم تنظيم استفتاءين صوت فيهما السلوفان والكروات بأغلبية على الاستقلال عن الدولة اليوغسلافية. هذا احدث شرخاً في الدولة اليوغسلافية نمت من خلالها النغمة الوطنية الصربية، وكان من الطبيعي أن تنمو أيضا مخاوف الأقليات الصربية التي تسكن كرواتيا. في هذه الاثناء سعت البوسنة لدعم فكرة الاحتفاظ بالدولة الفيدرالية نظراً لأنها تضم الكروات والصرب إضافة للمسلمين.

نجت سلوفينيا من الحرب نتيجة لعدم وجود أقليات ونتيجة للتدخل السريع من المجتمع الدولي، أما في كرواتيا وبالرغم من أن الدول الغربية حاولت تجنب الصراع من خلال الاعتراف باستقلالها، إلا أن الاعتراف بالاستقلال كان أحد اهم الأسباب للدخول في حرب إبادة طائفية.  غرقت كرواتيا التي كان لديها أقلية صربية، ومثلها البوسنة والتي كانت تتكون من المسلمين والصرب والكروات في حرب إبادة طائفية، وذلك بعد أن أعلنت الأقليات بدورها رغبتها في الاستقلال عن الدول المستقلة.

لقد ذهبت جهود المجتمع الدولي لحفظ كيان يوغسلافيا مهب الرياح، كما فشل المجتمع الدولي في تجنيب المنطقة حرباً طائفية ستظل آثارها تنساق على أجيال كثيرة قادمة، وجعلت من الدويلات المستقلة كيانات صغيرة وهشة غير قادرة فعلياً على تحقيق أي من الرفاه الذي تم تصويره للناس كواقع.

يختلف الأمر في اليمن، فليس هناك طوائف بالمعنى الذي نجده في يوغسلافيا، إلا أن وجود المذاهب يلعب دوراً مشابها. يستخدم السياسيون في اليمن الاختلاف المذهبي كعنصر في صراعهم على تحقيق مكاسب سياسية، وقد بدأ الأمر مبكراً عندما قامت الحركة الحوثية في صعدة، بغطاء ديني، للوصول للسلطة. الحرب اليوم ليست إلا أداة مكملة يتم استغلالها أيضاً لتحقيق المكاسب وبنفس الاسلوب، التوظيف المذهبي. لن يجد السعوديون مبرراً لحربهم في اليمن، ولن يجد الحوثيون مبرراً لتوسعهم، ولن تجد الأصولية الدينية مبرراً لحربها، الجميع لا يجدون أفضل من الخطاب الديني لاستقطاب عامة الناس. تتفق أطراف الصراع في اليمن على تصوير الحرب بوصفها صراع بين  "الزيود" و "السنة". يخاطبنا الاعلام اليوم بأن إيران "الشيعية" على وشك الاستيلاء على اليمن عبر الحوثيين، ويحقق مروجو هذا الخطاب هدفين في نفس الوقت، الأول إثارة مشاعر الاستعداء ضد إيران بناء على أسس دينية أو طائفية، وبذلك يستطيعون استقطاب السنة ليس في اليمن فحسب، بل في السعودية وغيرها من الدول التي تتخذ مذاهب سنية، ويجدون بذلك وقوداً لحربهم، أما الهدف الثاني فهو تسويق الحرب في العالم الغربي وإظهار أن السعودية تعمل على تحجيم التوسع الإيراني، خاصة بعد  توقيع إيران للاتفاق النووي. هنا نجد البعد الإقليمي للحرب في اليمن.

ذاكرة العامة قصيرة، فسرعان ما تنسى الأحداث ويستغل السياسيون هذا الأمر فيرجون لمشاريعهم، ومع أن الصورة تتضح يوماً بعد يوم، وتنكشف عورات السياسيين، تستمر اللعبة، ويظهر الدين كمطية سهلة الركوب. بالأمس كان الإصلاحيون يكفرون الاشتراكية، تحالفوا مع صالح "المؤمن حينها" ضد كفر الاشتراكيين، ثم ما لبث الاصلاح والاشتراكي أن تحالفوا ضد صالح، حارب قادة الإصلاح الحوثيين ثم رحبوا بهم في 2011 في حربهم ضد صالح، دعت السعودية لمحاربة "الرافضة المجوس" في اليمن ثم ما لبثت أن استقبلت الحوثيين وتباحثت معهم، بالرغم من أنهم مازالوا هم انفسهم لم يتغير في عقائدهم شيء.

في اليمن يبدو التسويق لإنفصال الجنوب على أشده. فيجري الحديث عن انفصال الجنوب وانفصال مناطق الشوافع، بنفس الطريقة التي جرى فيها التسويق للنغمات الوطنية في كرواتيا وسلوفينيا. يسعى السياسيون إلى استغلال الأزمة التي تمر بها البلاد لخداع الناس من خلال تصوير المستقبل الوردي في حال تم الانفصال. يجري الحديث عن الثروة الهائلة التي يمتلكها الجنوب، ويجري الحديث عن "التسلط الاقتصادي" للشمال تارة والزيود تارة أخرى. يجري الحديث عن الفساد الذي يقوده "الشماليون" "الزيود" ، كما يجري بالطبع الحديث عن استغلال "الشماليين" للسلطة وفشلهم في تقديم نموذج تنموي ناجح. إذن فالحل "من وجهة نظر السياسيين الذي يستغلون هذا الوضع لتحقيق مصالحهم الذاتية" هو "استقلال الجنوب" وفي أحسن الظروف "استقلال الشوافع".

الصراع العسكري الحالي يتم استغلاله لزيادة المسافة الفاصلة بين مختلف فئات المجتمع اليمني. القتل الذي يحدث في تعز يسوق له بصفته من مصدر واحد، وهو الحوثيين "الرافضة"، كما يجري التسويق للقتل الذي تقوم به الطائرات السعودية بصفتها آلة الموت السنية. مع ذلك فلم تتمكن تلك الشروخ من فت عضد المجتمع اليمني بعد.

بحسب القانون الدولي فإنه لا مسوغ لتقسيم اليمن أو الدعوة لذلك، ولا شك أن تجربة المجتمع الدولي في يوغسلافيا حاضرة، فالتقسيم لا يعني أبداً تجاوز الصراعات. إذن فإنه يبدو أن العالم لا يزال متمسكاً بوحدة اليمن، ولو مؤقتاً، إلا ما نشر عن إعادة ترتيب الشرق الأوسط. السعودية ودول الخليج ليس لها مصلحة في تقسيم اليمن، بل إن تقسيم اليمن لن يكون بمعزل عن تبعات على تلك الدول، فلو تم على أسس مذهبية، وهو الأرجح، فستكون السعودية أولى الدول التي سيلحقها هذا المرض من خلال استقلال المناطق الشرقية والجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، وهذه المرة نتحدث عن طائفة شيعية أكثر قرباً وتوافقاً مع إيران، كما ستلحق بها البحرين والكويت التي بها طوائف شيعية كبيرة.

استمرار اليمن كبلد موحد لن ينجح بدولة الأقاليم التي يروج لها، فاليمن بإمكانياتها المادية والبشرية والتنظيمية لا تملك أدنى مقومات النجاح لهذا النموذج المركب، الارجح أن وجود دولة تمتلك الحد الأدنى من النظام المحكم يمكن أن يخرج اليمن من أزمتها. المشكلة هو كيفية الوصول لذلك بعد أن دارت عجلة الصراعات الداخلية بدعم خارجي. إن استمرار الإحتراب الداخلي سيؤدي حتماً إلى تأجيج المشاعر لدى الجماهير، وبالطبع سيكون البعد الديني الطائفي هو المطية التي سيركبها أمراء الحرب، فهل تنجو اليمن منه؟
 

الخميس، 25 فبراير 2016

القافلة

 
 
القافلة

أتى من أقاصي الأرض، دفعته الرغبة، دفعه الجنون، في وقت يبحث الآخرون عن طريق للهروب يجد نفسه يسير بالاتجاه المعاكس، أراد أن يلقي نظرة، لعله الشوق أو لعله الشعور بالذنب، دفعه أن يغامر، ولم يكن يدري لماذا، غير أنه وجد نفسه يسير على الطريق. كان يعلم بمخاطر الطريق، قد يقفوا في طريقه، قد يستجوبوه، قد يمنعوه من مواصلة سفره، قد يتهموه بالإرهاب، قد يمنعوه من العودة، لا أحد يستطيع معرفة ما قد يفعلوه فقد أصبح كغيره من أبناء بلده "متهماً" ليس فقط بأنه آت من بلاد بعيده، بل لأن تلك البلاد متهمة بالشيء وضده.
انطلقت الطائرة بموعدها، وما هي الا ساعات وإذا هي في عاصمة بلاد السحر، باريس. لم يكن له من باريس إلا مطارها الذي بدا متواضعاً، كان متوجساً شراً من أولئك. ماذا لو قرروا أنه متهم، ماذا لو استجوبوه، سيسألونه: ما الذي أتى بك، وما هو مقصدك من السفر إلى بلاد الموت؟.
لم يعترض طريقه أحد، لم يسأله أحد من أين أتيت، ولا إلى أين أنت ذاهب؟
في مطار عمان، طلبوا منه أن يقف جانباً، هناك أوراق وتحريات يجب أن تملأها، فأنت لست كبقية البشر، نعم جئت من الغرب، لكن دماءك واوراقك من بلاد أصبحت من اعدائنا. ملأ الورقة، سلمها لرجل يجلس خلف حاجز. رفع الأخير رأسه بعد أن ألقى نظرة على الجواز قائلاً: يمني، أسبوعين بس. ثم عاد يكرر: رح اعطيك أسبوعين بس. رد على الرجل: يوم واحد، انا مسافر واحتاج لإقامة يوم واحد. وكأن ما قاله لا يعني ذلك الرجل الذي كرر: أسبوعين، ثم ألتفت باحثاً عن المشرف عليه وما لبث ان سأله: اليمنيين كيف؟ وانتظر لدقائق حتى جاءه ليؤكد له أسبوعين وتسمح له بالدخول.
تذكر مناسبات عدة، سنوات وهو يقف في الأردن، كان يأتيها لزيارة، وتذكر الترحاب الذي كان يلقاه، وتساءل، حتى تغير هو؟، تغير العاملون بالمطار، أم تغير الزمن؟، مرت الساعات في عمان وحان وقت الرحيل من جديد، تواردت الأفكار وكأن الزمن أبى إلا أن يعود به قروناً عدة، ورأى نفسه على قافلة وأمعن النظر فيها.
القافلة: كُنتُم تجاراً، وكانوا لصوصاً
كنتم تجاراً، كانت قوافل تجارتكم تأتي من الشرق محملة، كُنتُم حلقة الوصل بين عالمين في وقت لم يكن العالم قد أدرك بعد الحضارة كما نعرفها، ولا عرف المدنية التي كنتم تعيشون في ظلها. وكانوا لصوصاً، نعم كانت صنعتهم هي الإغارة على قوافلكم لسرقتها، كانوا يقتاتون من ذلك، كان الغدر أكثر ما أتقنوه خلق......ومرت الأيام.
القافلة سترحل اليوم من الشمال، من عمان، ولكن لا ندري متى ترحل، اترحل في الفجر ام في الصباح، احضروا فأمير القافلة طلب الحضور ليلا قبل الرحيل بساعات طوال، سبع ساعات او ثمان او اكثر. اتشتكون؟، اتتذكرون زمانا رحلتم فيه شهوراً؟
كونوا في رحلتكم مستعدين لإغارة الاعراب عليكم، ماذا يريدون؟ مالاً، مؤن؟، ذلك ما يقوله تاريخهم، ولكنهم اليوم يملكون المال، المال الكثير، فما الذي يريدونه؟ يريدونكم اذلاء فحسب.
البعض يقول أنهم يريدونكم ان تدخلوا دينهم! اي دين ذلك؟. يقولون انكم كفرتم، نعم كيف تكفرون دون ان يحاسبوكم أليسو هم وكلاء الله على الارض؟ ألم يضع بيته في ارضهم؟ إذن فلا بد ان ترضخوا لهذا "الحق".
مهلاً! اتعتقدون ان الله راضٍ عما يقومون به؟ أهو العدل؟..... يبدو انه كذلك وإلا لما اتفقت ارادتهم مع إرادة سادة الأرض، القوى العظمى، التي رضي الله عنها.
إذن فهي إرادة الله ولا شك. إرادة الله ان يقوم اغنياؤه بإهانة واذلال فقراؤه. "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
أهو العدل إذن؟ لا بد انه كذلك..
صلوا لخالقكم ان أرسل لكم رجالا من عباده يهدونكم. نعم في الماضي كانوا لصوصاً، ولكن الله جعلهم ائمة، يهدون الناس. نعم يغيرون عليكم اليوم، يقطعون الطريق، لكنهم لا يبغون مالاً، بل لأنهم رسل الله.
احمدوا الله كثيرا، فلا احد يدري ما الذي كان سيحل بكم، لو لم تقف قوافلكم لديهم، كُنتُم ستستمرون في غيكم، في ضلالكم، وقد تخسروا الآخرة، كما خسرتم الدنيا.
أم أنهم يمارسون هواية عمرها آلاف السنين؟ لا يهم ما جنوه من ثروة اخرجها "كفار" هذا الزمن من باطن الارض، ولا يعنيهم ذلك شيئاً، فإحياء التراث امر مهم.
الم تلاحظوا استهدافهم للآثار، هذا ثأر تاريخي لا تمحي آثاره السنون.
هناك رعاية اممية، وهناك شرعية يدافعون عنها، وهم يدافعون عن حقوق الانسان، إنسانهم هم فهو يتوق لهذا التراث العريق!
احذروا وخذوا مؤنكم، فالله وحده، بل ليس الله ولكن وكلاء الله على الارض يعلمون كم ستطول الرحلة.
اليوم ليسو بحاجة إلى خيول وسيوف، اليوم يغيرون بطير أبابيل!
"وتلك الأيام نداولها بين الناس"
 

الجمعة، 3 أبريل 2015

قبحكم الله أيها العرب- أصحاب عاصفة_الجزم


قبحكم الله أيها العرب   3 ابريل 2015

بعد عشرة أيام من أعتداء دولي على اليمن يقوم بقصف البلاد ليل نهار وخلف أكثر من خمسمائة قتيل،
اليوم تنظم تركيا لحلف العدوان على اليمن بإعلانها أستعدادها لتقديم الدعم للعدوان، وتكتمل الصورة، التحالف السني البغيض  للعدوان على اليمن، السنة اليوم يحاربون الشيعة على أرض اليمن، السنة يتقربون إلى الله بذبح شباب وأطفال ونساء اليمن.  أيعقل أن يرضى الله عن عدوانكم؟

اليوم يقول المحللون الاستراتيجيون "السنة" بأن العرب أفاقوا ليقاوموا النفوذ الإيراني، ولكن يبدو أن الصراع هو صراع مذهبي بغيض.  لست أدري من أعطى السنة الحق في قصف اليمن، الذي يقول السنة انفسهم أن الحوثيين لا يمثلون أكثر من 10% منه، وإذا كان العرب يرغبون في محاربة أيران، إليست العراق أقرب من اليمن، أقول العراق لأن هؤلاء "العريبة" لن يجرءوا على محاربة ايران إلا بالوكالة...

الا تعلمون أن الإمارات التي تحتل إيران جزرها هي أكبر شريك تجاري لإيران؟

قبحكم الله أيها العرب!