الثلاثاء، 31 مارس 2015

أيها الأعراب


ايها الأعراب

لا فضل لكم، نعم لا فضل لكم أن نبي الإسلام عربي، وهو القائل "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".  لا فضل لكم أيها الاعراب، فالاسلام لم يكن لينتشر لو أنه اعتمد عليكم. دين الله نشره المؤمنون من غيركم ممن كان لهم فضل في العمل لخدمة دينه، ولو أعتمد عليكم، كان الآن لايزال في حدود مكة!

ألم تسمعوا قول الله "والاعراب أشد كفراً ونفاقاً"  هذا قول الله على لسان نبيه، فأي حجة لكم؟  وأي فضل تدعونه؟.  أيها الاعراب لقد انتشر دين الله بجهود غيركم ونشأت حضارة اسلامية أثرت معارف البشرية، وكان معظم العلماء من المسلمين، نعم، ولكنهم الأغلبية لم يكونوا عرباً، بل إن من وضع قواعد لغتكم ليس بعربي، وعظماء وفلاسفة المسلمين لم يكونوا عرباً.

أيها الأعراب لقد أعطاكم الله شرفاً ببدء رسالة الأسلام في بلادكم، ولكن لا فضل لكم في ذلك، فلا تدعوا أي فضل، ولا تعتقدوا أنكم تمثلون الأسلام وأن لكم مكانة خاصة فيه. إنطلاق هذا الدين في دياركم أمر أراده الله لحكمته، وليس لكم أي حق في إدعاء ملك هذا الدين أو التميز عن الآخرين، إلا بتقواكم!.

من الله عليكم بما لم يعط غيركم من الأمم والشعوب من ثروة، ومرة أخرى، لا فضل لكم أبداً فيها، فقد أكتشفها واستخرجها غيركم، ولم يكن لكم يوماً فضلاً في شيء، فأصبحتم مستهلكين تجلبون كل ما ترديونه.  بنيتم وشيدتم بلادكم دون فضل منكم، فغيركم هو من يبني وغيركم هو من يشيد.

"يا أهل الكفر والنفاق"، كما وصفكم الله، هأنتم اليوم برغم ما تجلسون عليه من ثروات ونعم من أسفل وأحط الأمم.  هأنتم تعيشون أذلة مدحورين.  بلدانكم مفككه، وشعوبكم متناحرة، وتعيشون في ذيل العالم، فلا معرفة ولا تقدم ولا حضارة.  أنتم تعيشون مثل أرذل الأمم، فلا أحد يحترمكم، فأنت أكثر الشعوب تشرداً، وأقلها ثراء، برغم ما تجلسون عليه من ثروة.  حياتكم يملؤها النفاق، نساؤكم مستضعفات مستعبدات.  تدعون الفضيلة، وأنتم أكثر الشعوب فسقاً وفاحشة، تدعون للحق وأنتم أكثر الأمم إنغماساً في ظلم الآخرين وظلم أنفسكم.

أيها الأعراب، هأنتم قد قسمتم دين الله إلى نحل وملل متناحرة، وأنشأتم جماعات وعصابات شوهت دين الله وجعلت الحكيم ينفر منه.  ها هو صراعكم يزيدكم تشرداً وذله.  ها هي بلادكم محتلة وأنتم محتقرون أينما ذهبتم.  فسقكم من جهة، وعنفكم من جهة، وتجردكم من الإنسانية من جهة ثالثة جعلت العالم يزدريكم.

أيها الاعراب، يا أهل النفاق، هأنتم اليوم تسلمون شأنكم لغيركم، وتعيشون عيش الأنعام.  بالأمس سلمتم العراق لألد أعدائكم، قدمتموه على طبق من فضة، ثم تناحرتم بغبائكم وقصر تفكيركم فدمرتم دمشق وقضيم على طرابلس، واليوم بأيديكم تنسفون أقدم عاصمة عرفتها الإنسانية، صنعاء.

أيها الاعراب، متى ما علمتم أنه لا فضل لكم، ومتى ما تخليتم عن أوهامكم، ومتى توقف غنيكم عن إزرداء فقيركم، ومتى ما عملتم مثل بقية شعوب الله، وسعيتم نحو تحقيق أحلامكم أنتم، فسيكون لكم أن تفخروا بأنفسكم، أما اليوم فسحقاً، وتباً لكم.

وشكراً آل يهود الأوفياء


وشكراً آل يهود الأوفياء
 28 مارس 2015

بعد موقف نصر الله الذي نراه كعلم وسط عالم من السواد، يأتي موقف اليهود اليمنيين في إسرائيل والذين أعلنوا فيه رفضهم لما يجري من اعتداء على اليمن، بلاد اجدادهم.  هؤلاء الذين نرى فيهم ألد أعداء العرب، ونرى فيهم ألد أعداء المسلمين نرى منهم وقفة مشرفة، تشرف كل إنسان يتمتع بالإنسانية، فمرحى بكم وبموقفكم الذي لا ينبع من نفاق أو مصالح، وخسئتم اخوتنا العرب والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وانتم تصمتون على اعتداء سافر على بلد ضعيف وشعب لم يقم يوماً بالإعتداء على أحد.  لقد حق لنا نحن اليمنيون أن نقول شكراً آل يهود لوفائكم.
 

السبت، 28 مارس 2015

شكراً نصر الله


شكراً نصر الله 
28 مارس 2015

لم أكن يوماً شيعياً ولا أتخيل أني سأكون ليس لشيء إلا لأني عزوف عن تقديس الأشخاص، وأومن ألا أحد من البشر يستحق أن يكون في منزلة أعلى، وإن كنت أرى أن الأنسان يمكن أن يتميز بما يفعله، لكن ذلك لا يستوجب شيء أكثر من الأحترام.

أبعد أكثر من مائة كيلومتر عن صنعاء، وعشرات الكيلومترات عن أقرب هدف محتمل للحرب التي تشنها الطائرات على اليمن منذ يومين، وقد أمتلئت النفس غصة وحسرة، فلعل وجودي في مكان الحدث سيخفف من إحساس بالذنب، لا أدري.  في هذه القرية الصغيرة يبدو الناس منهكين، نخرج من صلاة الجمعة فلا شيء إلا كلمات سلام قليلة تخرج من الأفواه.  الإنكسار هو السمة الغالبة على وجوه الناس فلا رغبة في الحديث، وحتى أولئك الذين نعتقد أنهم سيكونون سعيدين بما يحدث، وحتى خطيب الجامع الذي سمى ابنته "توكل"، لهج بالدعاء على المعتدين، وتلى سورة الفيل.

في هذا الجو الذي غاب فيه الأمل، ووسط الخوف من المجهول وأثر ذلك على حياة الناس، ووسط أخبار القصف المستمر على صنعاء، والحرب التي تزداد ضراوة، وبينما نقلب القنوات التلفزيونية لنسمع ونرى علامات النصر على شفاه ووجوه العرب الكالحة، وإذا نحن نبحث عن بصيص أمل بتوقف العدوان، فلا نجد إلا دعوة هزيلة من رئيس اليمن السابق الذي تقول القنوات بأنه أحد المستهدفين من الحرب، إذا بطلة لحسن نصر الله.

مر زمن منذ فكرت بمشاهدة نصر الله، فهو محسوب على الحوثيين، وهو الذي أطل قبلها لمرات ليعلن انتصاراتهم، ولكوني معارضاً للحوثيين وما يقومون به، فلم يكن لي أدنى رغبة بمشاهدة خطاباته، بالرغم من علمي المسبق بأنه "اكثر القادة العرب طلاقة وأوسعهم حجة ومنطقاً".  توقفت لأستمع فإذا هو يتحدث عن الحرب على اليمن.

بدا الحديث منطقياً، قوي الحجة ومنظماً، أوصل الرسائل لمن أراد أن يستمع، أنتقد "العرب" الذين قرروا مهاجمة اليمن بحجة أنها اصبحت تحت السيطرة الإيرانية، وبين أن هؤلاء "العرب" انفسهم هم الذين رموا بالعراق وسورية وغيرها من البلدان لأحضان إيران، وفي نفس الوقت أنكر مبرر الحرب قائلاً بأن الحقيقة هي أن السعوديون رأوا اليمن تخرج من بين أيديهم ومن تحت سيطرتهم.

أنتهى الحديث بالتأكيد على فشل العدوان على اليمن مهما بلغت القوة المستخدمة. لقد استطاع نصر الله تعرية العدوان، وبعث قليل من الأمل في نفوس "مهزومة"، فشكراً نصر الله، ظهرت قائداً وعظيماً في وقت غاب فيه الرجال عند هؤلاء "العرب".

يا ويل صنعاء من دثينة


يا ويل صنعاء من دثينة

هذا القول سمعته قبل شهور، وتحديدا في أكتوبر 2014، من أحد الاصدقاء في عدن، كنا نتحدث حينها على الوضع الذي تمر به البلاد وكيف أن الاوضاع لم تستقر، وكانت الشكوى مرة من صديقي الذي يبدي ميولاً "سلفية".  يومها كنا نخرج من أحد المتنزهات على البحر وكان الجو لطيفاً فقال صديقي بأن هناك مثل يقول "يا ويل صنعاء من دثينة" ثم عمل على الشرح بأن دثينة هي القرية التي أتى منها عبدربه منصور، والغريب أنه كان يبدو "واثقاً" تمام الثقة بأن أمراً ما سيحدث ليجعل هادي يلحق الضرر بصنعاء، كانت الأحداث تقول أن هادي يخضع لنفوذ الحوثيين أو هو متواطئ معهم.  يومها أخفيت على الصديق أني لا أومن بهكذا امثال وتكهنات.  مرت الأيام وسرعان ما أنقلب الحوثيون على هادي وانقلب هادي على الحوثيين، وكان المثل لا يزال في رأسي، ولفترة وجيزة بدا أن هذا المثل قد "انتهى إلى الأبد"، وبالرغم من هروب هادي إلا أن عجزه كان واضحاً ليعزز فكرة أن هذا القول أصبح غير ذي جدوى.  جاءت دعوة هادي الخليجيين إلى استخدام "درع الجزيرة" ضد أعدائه في اليمن لتمثل مثاراً للسخرية، وفجأة، وتحديداً في 26 مارس وبشكل مفاجئ يبدأ قصف جوي لصنعاء من قبل الطيران السعودي....

 

الأحد، 18 يناير 2015

تفاؤل !

تتغير معطيات الصراع الحالي في اليمن، ومثلما يفاجئك اليمنيون بمواقفهم، تفاجئك الأحداث، حتى صارت المفاجأة هي العنصر الذي فقد قدرته، فالمتوقع دوماً هو المفاجأة، وبذلك فقدت "المفاجأة" قدرتها على التعبير عن نفسها.

إختطاف بن مبارك، حدث على مستوى جديد من حلقات الصراع التي ربما كانت بدايتها أن خسر بن شملان في الانتخابات الرئاسية في عام 2006.  وعجز "الشارع" عن التغيير، ففاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه، وكان إفتراض أن الرؤوس وضعت دون أجساد هو افتراض خاطئ، فالتغيير الحقيقي لا بد أن يكون له أسس وقواعد سليمة.

التحليلات السياسية لم تعد تعني اليوم لليمني شيئاً، أما تحليل المعطيات الاجتماعية والاقتصادية فمن الصعوبة بمكان، فكيف يمكن تبرير استمرار حركة الناس وذهابهم لأعمالهم ومهامهم وسط بيئة مليئة بالمخاطر؟.  كيف يمكن تفسير استمرار ارتفاع العمران في أنحاء البلد دون توقف، وفي أحلك الظروف واللحظات؟.  كيف يمكن التعاطي مع استمرار حالة الاستقرار الاقتصادي رغم كل الظروف؟  يبدو لي في أحايين كثيرة أن اليمنيين يعيشون خارج إطار الزمن، وكأنهم في غيبوبة لا يدركون ما يحدث!

أحلام المستقبل والوطن، كانت تجمعنا ونحن طلاب من عدد من الدول العربية في بلاد الغرب.  كان كل منا يطلق لأحلامه العنان ويحكي عن مستقبله، حلم العودة للوطن، ومخططات العمل والأسرة.  كان الجميع يتحدث بشغف، إلا واحد، من فلسطين.  كان صديقنا ينصت لأحاديثنا، أما خياراته فكانت العودة لمستقبل مجهول، أو العيش غريباً، أو هكذا هيأ له، والأمرين أحلامها مر.  كانت المرارة تصيبنا، ربما أكثر مما تصيبه.

يفاجئني صديقي الذي أتي في زيارة من السعودية، "لدي المال، ولكن لا أدري ما أفعل به".  يعمل صديقي هناك في وظيفة مرموقة، وبأجر مجزٍ، لكنه يحس بغربة شديدة.  "الحياة في السعودية صعبة، هل مرحلة مؤقتة فقط" هكذا يقول.  " إلى أين أذهب؟، هذا بلد دائم النزاعات والحروب، هذا بلد غابت فيه قيم العدالة والإنسانية واستولت عليه لغة المصالح"، "اين هو المستقبل في كل ذلك؟" يتساءل صديقي.

عادت إلى ذاكرتي أحاديث صديقنا الفلسطيني، يا ترى لو حدث أن نلتقي، سيكون بلا شك أكثرنا حظاً، واكثرنا شعوراً بالتفاؤل. 

 

الأحد، 2 نوفمبر 2014

رحلة عيون سردد (5): تأملات أخيرة


 

رحلة عيون سردد (5): تأملات

أيام قلائل من السفر ومشقته، أيام قلائل من الخروج عن المألوف، أيام من عشق الطبيعة وتحديها، أيام من العمر قلما تتكرر، وفي الوضع الذي نعيش فيه رأى الكثيرون أن ما قمنا به هو ضرب من الجنون.  يقولون ألا تعلمون ما يحدث في البلاد، ألا تعون أنكم تخاطرون بحياتكم بخروجكم في وقت يرفع كل يمني سلاحة منتظراً أن يدافع عن نفسه، إن لم يكن في سبيل تحقيق مكاسب مزعومة، الا تدرون ألا نظام ولا دولة ستحميكم، ألم يصل إليكم التوحش الذي وصل إليه الناس في المدينة، فما بالكم في الأرياف الأكثر فقراً، ألا تخشون هذا كله؟

لا أحد منا ينكر أن كل تلك الوساوس قد دارت بخلد كل واحد فينا، حتى كادت في لحظات أن تفتك بعزيمتنا، ولكن يبدو أن اتصالنا ببعضنا كمجموعة قد غلب تلك المخاوف، فوجدنا أنفسنا على رغم كل شيء نتجه في وقت مبكر من الجمعة إلى نقطة اللقاء.  لم نكن على أتم الاستعداد كما يجب أن نكون، لعل كل منا كان يتوقع ألا تتحقق تلك الرحلة حتى وجد نفسه، مثلي، فجأة في طريقه إليها.

خرجنا عن المألوف في وقت يؤثر أغلبية الناس البقاء في بيوتهم.  أخذتنا المغامرة في أتون المخاطرة بكل شيء، ولحسن الحظ فقط، وبتوفيق من الله أكملنا رحلتنا دونما أية خسائر.  مخاطر الطريق، ومخاطر النوم في العراء دون أي تجهيز، مخاطر مواجهة الوحوش ومعروف وجودها في وادي سردد، ومخاطر السير في وسط المياه الجارية والنزول فيها، ومخاطر مواجهة أي معتدي، جميعها بدت سهلة بسيطة ونحن ننتقل ضمن وادي سردد الذي كان بمثابة طريق مجهول لكنه شيق، وكأننا نلعب إحدى العاب الفيديو الممتعة....

أصبحت الرحلة سريعاً كالحلم الجميل، ولا ابالغ أننا كلما انتقلنا من مكان لآخر، وكلما خطونا خطوة للأمام نحس بالمتعة فيها والشوق لها، ونفتقد المكان الذي غادرناه.  قلما يراودك إحساس كهذا....

بداية الرحلة إمتلأت ليس بحديث الهموم ومعاناته فحسب، كانت بداية وضعتنا في الواقع المر، ونهايتها كانت مثل البداية لم نستطع أن نتجنب فيها المرور بنقاط المسلحين الكثيرة جداً، ولم نستطع إلا الحديث عن كل ذلك، وبدت الرحلة في الوسط كمن يخرج عن إطار المألوف ليعيش حلماً قصيراً، لكنه حلم صنعناه بأيدينا، قررنا فيه أن نحول كل شيء إلى فكاهة ومتعة، نتذكر أغاني الحارثي وأيوب، كما نتذكر "حبيبت محمد جمال" و "الدكان" وووو أشياء كثيرة .....، حلم سنظل نتذكره ونشتاق إليه لوقت طويل، وهذا عزاؤنا في هذا الزمن.
 

رحلة عيون سردد (4): البداية


رحلة عيون سردد (4): البداية

لم يرحل الليل كما نعتاده، بل تحولت السماء من اللون الأزرق الداكن المرصع باللالئ تدريجياً للون الرمادي، وبدأت المساحات السوداء من الجبال تفصح عن مزيد من التفاصيل.  كان الفجر يشق طريقه، بينما كنا مازلنا نغط في أحلام الليل.  بقوة شق الضوء طريقه ليفصح عن تفاصيل جديدة تملأ المكان، وكأننا نراها لأول مرة.

سرعان ما جمعنا أمتعتنا على ظهورنا وبعد وداع قصير أصر فيه حيدرة أن يلعب دور الأعرابي الذي لم نجده إلا على صفحات الكتب، غادرنا المكان بعد أن اعطانا ما يمكننا من التواصل معه، وتمنى لنا رحلة موفقة.  كان النشاط يملأؤنا بالرغم من أنه اليوم الثالث من مشقة السفر.  سرنا كالعادة وسط المياه وكان دفئها يمتعنا في هذا الوقت المبكر.  بعد حوالي ساعة وجدنا مساحة من الرمال الساحرة، كانت تدعونا لأخذ قسط من الراحة وتناول الفطور، ولم نستطع إلا تلبية دعوتها.  ومثل كل مكان مررنا به لم نستطع مبارحته إلا بصعوبة فقد كان مرحباً ومضيافاً ككل شيء.

سرنا بعدها جادين ونحن نحس بالشوق للوصول للحمام، سرنا مسافات طويلة وجدنا في طريقنا بضع أشخاص وكنا نسأل عن المكان وهم يسألون عن من أين جئنا وإلى أين سنذهب.  كان هناك قرية واحدة علمنا أن اسمها قرية شيعة وقد مررنا بتفرعات للوادي الأول باب مخد يفصل بين الحيمة والمحويت ثم باب دايان بين المحويت وحراز والحيمة وقرية عصمان قبل الحمام.

وصلنا أخيراً للحمام!  لم يكن سوى غرفتين صغيرتين، علمنا فيما بعد أنهما دكان ومكان مهجور، فموسم الحمام لم يبدأ بعد، والناس الذين وجدناهم لم يكونوا سوى مجموعة واحدة جاءت من الحيمة في مغامرة للاستمتاع بالحمام.  شعرنا بنوع من خيبة الأمل بالرغم من وصولنا لمقصدنا، فيبدو ألا مياه ساخنة كما سمعنا وبدت الرمال على جانب السائلة باردة. 

سرعان ما أخذ بعضنا يلهو بالرمال ويجدها فرصة لتغطية نفسه بها.  كان هناك عدد من الناس ولديهم أدوات للحفر فساعدوا في تغطينا بالرمال، وهم يتساءلون في جدوى ذلك، وأي فائدة ترجى منه، ولم يلبث عدد منهم أن غطى نفسه بالرمال بعد أن ساعدنا على ذلك.

لحسن الحظ أن المجموعة التي وصلنا وفي في المنطقة قد سبقتنا إليها، فقد قامت بتجهيز مغطس صغير في وسط السائلة باستخدام ادوات أحضرتها معها، ولم يكن لدينا أدوات يمكن أن نتسخدمها لحفر بقعة أخرى.  إذن فقد اكتشفنا أن هناك مياه ساخنة فعلاً، وبأن تلك الحفرة مليئة بها. 

سرنا على المياه الباردة ولم نكن نعي أن مياه المغطس ستكون بتلك الحرارة العالية، كانت مفاجأة فعلاً، اربكتنا، فسارع بعضنا بالصياح والهرب بعد أن احس بحرارة المياه.  لقد كان شيئاً استثنائياً، ها هي مياه الحفرة الشديدة الحرارة تقع في طرف المياه الباردة التي تتدفق من أعلى الوادي.  تستخدم المياه البادرة المتدفقة في تعديل حرارة المياه داخل المغطس، عبر ساقية صغيرة.

بحثنا عن مصدر المياه الحارة فلم نجد إلا فقاعات تأتي من قاع المغطس.  تمكن البعض منا من الدخول للمياه ولم نكن نعي في بداية الأمر أن الحرارة ناتجة عن سخونة الاجحار وليس عن سخونة المياه نفسها.  استمتعنا كثيراً بالمياه وكان الانتقال ما بين المغطس الساخن ومياه الوادي الباردة الغزيرة والمتدفقة تجربة فريدة وممتعة.  ما زاد من حيرتنا أننا اكتشفنا أن اسفل مياه الوادي المتدفقة مياه ساخنة ما أن تضع أصابعك بين الرمال والأحجار حتى تلسعك حرارتها.

لقد كان الحمام بمياهه الباردة المتدفقة، ومياهه الحارة الآتية من الأسفل تجربة تستحق أن نبقى للأستمتاع بها، لكننا الوقت كان يداهمنا، ولم نجد بداً من حزم أمتعتنا مجدداً في رحلة العودة التي كنا نعلم أنها ستأخذ عدة ساعات.  دعانا  "اصحاب الحيمة" إلى التأني وإلى تناول الغداء معهم، ولكننا لم نتمكن الحصول على سيارة لتقلنا في رحلة العودة، لذا آثارنا حث الخطى عائدين لوادي دايه الذي يفترض أن يوصلنا لمنطقة بني منصور على طريق الحديدة صنعاء.

أكثر من أربع ساعات قصيناها ونحن نسير عكس اتجاه الوادي والمياه، استمر مسيرنا في وادي دايه ونحن نأمل الوصول إلى وادي يباس، وهو مثل اسمه لا توجد به مياه، وكان مجرد ذكر أسمه يشعرنا بالتعب.  بدأنا نفكر في تناول الغداء، أو أخذ أستراحة، وبينما نحن نمر في وسط المياه التي كانت أقل غزارة، وحيث اكتسى جانبيها بألوان خضراء بهيجة من الطحالب، يتبعها على الجانبين اشجار الحلال – المعروفة عند البعض باليرع، ثم مزارع بعضها تطل عليه قرى صغيرة، بدأنا نلتقي بأناس بدا عليها سحنة تهامية أكثر.

شاهدنا أول سيارة، وكانت مفاجأة لنا، كانت تدخل من السائلة بين أشجار الحلال وإلى المزارع التي كانت باللون البني الداكن جاهزة للبذور.  واصلنا مسيرنا ونحن نأمل أن نجد سيارة تسير بإتجاه سيرنا، وبينما تمنى أحد الأصدقاء أن تعود هذه السيارة وتقلنا، وحمله خياله لتأليف قصة ما سيواجهه صاحب السيارة من زوجته التي ستطلب منه الحلوى وبأنه سيضطر للخروج مجدداً وسيقلنا إلى مقصدنا، وسيوفر قيمة الحلوى ومصاريف الوقود! 

لم تمر دقائق إلا وصوت السيارة يأتي من خلفنا.  لقد صدق حدس صاحبنا، وبإشارة منا توقف صاحب السيارة لنعلو مؤخرتها ونحن نشعر بشيء من الغبطة.  كنا قد طلبنا منه أن يوصلنا لوادي "يباس" وهو كما قيل لنا الطريق الذي سيوصلنا إلى بني منصور.  ونحن على ظهر السيارة ثم الحديث مع صاحب السيارة الذي وافق على أن يقلنا لمقصدنا، وقد أحسنا صنعاً بذلك حيث أخذت السيارة أكثر من ساعة ونصف قبل أن تصل.

ترجلنا السيارة وكان صاحبها قد تواصل مع صديق له ليقلنا إلى صنعاء.  تفاجأنا من تصرفه، ولكننا قبلنا ذلك بعد أن أشعرناه بأننا بحاجة للراحة وتناول الغداء، ووافق على ذلك.  في نقطة وصولنا كان هناك جامع رأينا أن نؤدي فيه الصلاة، وسرعان ما أعادنا الجامع إلى هموم المدينة، فما أن ولجنا الجامع حتى وجدنا "صرخة الحوثي" تكاد تغطي على كل شيء داخل الجامع.

في الطريق وكالعادة سرعان من أخذت السياسة طريقها لحديثنا.  علمنا منه أن أبناء الحيمة قد أتفقوا مع الحوثي على عدم دخول بلادهم، على أن يؤمنوا له الطريق، أما أبناء بني مطر فقد سلموا للحوثي بلادهم وأقام فيها رجاله ونقاطه.  كان سائق السيارة ساخطاً من تواطؤ قوات الجيش مع الحوثيين وقيامها بمساعدتهم. 

أنتهت رحلتنا سريعاً في عَصِر عند حلول المغرب، وكانت البداية.