السبت، 21 مايو 2011

البلاطجة

منذ بداية "الثورة الشبابية" التي سرعان ما تحولت لأزمة ستكمل عما قريب شهرها الرابع ظهرت العديد من الأمور التي لم نألفها، ولم نسمع بها كيمنيين، بل أزعم أن بعض تلك الأمور هزت ما نؤمن به من عادات وتقاليد وموروثات، لا شك أن بعضها كامن في نفوسنا، وربما لآلاف السنين ظل ضمن مكونات الشخصية اليمنية.
فجأة تنهار كل أسوار المحضور في هذا البلد، فجأة تتحول الكلمة التي كانت "مقدسة" إلى مجرد حروف تجتمع، وفجأة نجد من لا يبالي بما يقوله، أو لعله يقصد ما يقوله، وتلك طامة كبرى.  طالعتنا الصحف والمجلات بل والفضائيات على الهواء مباشرة بألوان من الكلام لم نألفها.  أصبحت لغة السب والشتم والقذف هي السائدة، وبدا أن "إسهالاً" قد أصاب الأفواه، إن لم أقل "العقول".  كثر الكلام دون طائل، وكأن كثرة الكلام وبذاءته أصبحت أسلوباً لتحقيق "النصر"...... وحتى حادثة قطع اللسان المشؤومة، والتي لا أعتقد أن هناك بشر على وجه هذه الأرض لا يشمئز منها، يبدو أنها لم تؤثر... بل زادت المرض حدة....
مما طالعتنا به صحافتنا وأعلامينا وغيرهم كلمة بلاطجة... كلمة أتت نقلاً عن اللفظ المصري "بلطجية".  ألصقت هذه الصفة بعدد من الرجال الذين أستقدمهم النظام لإحتلال ميدان التحرير.. استباقاً لما خطط له أحزاب اللقاء المشترك من الإعتصام فيه على غرار ما حدث في ميدان التحرير بالقاهرة.  الغريب أن هؤلاء ظلوا، وما زالوا يحملون عصيهم (صمولهم) حتى اليوم بالرغم من أنهم لم يقوموا فعلياً باستخدامها....
إذن هي جماعات "مأجورة" الهدف منها التخويف لمنع الآخر من التقدم... في مصر، وبعد فشل الأمن في تحقيق شيء، استخدم النظام عدد هائل من هؤلاء للإعتداء على المعتصمين في ميدان التحرير.... لقد فشل النظام المصري أيضاً في الإستفادة من هؤلاء لتحقيق أغراضه.  في اليمن قيل أن عدد من المأجورين أعتدى على بعض طلاب جامعة صنعاء ممن بدأوا بحركة الأحتجاج، وكانت تلك أيضاً آخر مرة سمعنا فيها عن قيام هؤلاء بأي نشاط، بالرغم من تواجدهم في عدة مناطق في العاصمة.
بلاطجة، كلمة بنكهة يمنية، ألصقت بهذه المجموعات والتي معضمها من رجال القبائل المسنين.  هؤلاء ليست لديهم البنية لفعل الكثير لكنهم ظلوا يمثلون عنصراً هاماً في الصراع.
اليوم سمعنا أن عدداً من طلاب جامعة الحديدة فشلوا في "ايقاف الدراسة" في الجامعة بعد تدخل الأمن، وبالأمس كنت مع أحد طلاب جامعة صنعاء.  صديقي كان يشكو حاله، فها قد مرت ثلاثة شهور من شهور الفصل الأربعة دون أن تستأنف الدراسة.  السبب كما قيل هو تهديد ووعيد من "المعتصمين" في حال استئناف الدراسة بالجامعة.  إذن ذهب نصف عام دراسي لأكثر من عشرين ألف من طلاب الجامعة سدى.  سألت صديقي لماذا لا يحاولون عمل شيء، مثل الأحتجاج، قال أن أحداً لم يفكر في ذلك.  جهود إدارة الجامعة لأستئناف الدراسة فشلت وفضلت ايقاف الدراسة على المواجهة.
إذن هؤلاء الشباب "الثائر" قرروا منع وتعطيل الدراسة، وقرروا أن "ثورتهم" أكثر أهمية من أن يعارضهم فيها أحد.  هؤلاء لم يكتفوا بذلك بل "فرضوا" بالقوة إغلاق الجامعة، ومنعوا الطلاب والمدرسين من ممارسة مهامهم، ولأكثر من ثلاثة شهور.
ترى من له حق الإعتداء على حرية الآخرين بالقوة؟
البلاطجة.... هذا مصطلح بنكهة يمنية... وللأسف .....

الجمعة، 6 مايو 2011

الثورة الأخلاقية

طالما سمعنا، وقرأنا في الكتب عن الأخلاق العربية الأصيلة، وطالما أفتخرنا بالخصال التي يحملها العربي كجزء لا يتجزأ منه، من الكرم إلى الفخر بالنسب والأصل والعشيرة، إلى العدل وإغاثة الملهوف ومحاربة الظلم والظالمين.  صفات طالما طالعتنا في قصص التاريخ، وخصال طالما حلمنا بأن تكون معنا دوماً.

عندما يتطلع العربي لواقعه، فإنه يصاب بخيبة أمل.  تلك الصفات العربية الأصيلة تضمحل فلا يكاد يتبينها.  هأنت تسافر في البلاد طولاً وعرضاً فلا تسمع ما درج عليه العرب من دعوة للغريب وإكرامه، ولو على سبيل المجاملة، وهأنت ترى العرب يفقدون إعتزازهم بأنفسهم ويسعون نحو مصالحهم، هأنت ترى الظلم يطغى وترى أن دور "القبيلة" يقتصر على المقتدر أما الفقير فلا حياة له.  هأنت ترى الغدر والخيانة ظاهرتين تطغيان على غيرهما في سعى الناس للكسب، وهأنت ترى التنافس المحموم بين الأخوة يسوغ كل شيء....
فماذا بقي من الأخلاق العربية غير ما في قصص التاريخ؟

عندما بدأت حركة الشباب في اليمن كنا نعرف ما نحن بحاجة إليه، التغيير.  تلك الكلمة السحرية التي جرت وراءها عشرات الآلاف من الناس.  نعم فاليمنيين بحاجة لتغيير واقعهم الذي خرج عن المألوف فضاعت القيم والأخلاق في خضم التسابق نحو المصالح والصراع المحموم على المال.  التغيير مطلوب للخروج من نفق مظلم لا يمكن أن يبقى فيه اليمنيون إلى الأبد.

أكتسبت الدعوة للتغيير، والثورة ضد الواقع تعاطفاً ودعماً شعبياً كبيراً ومتعاظماً في بدء المرحلة، بحيث طغى على بقية الأصوات، وبالرغم من عدم وضوح ماهية التغيير المطلوب، فإن الدعوة كانت مبررة لدى العامة والخاصة الذين لم يروا في إستمرار الوضع القائم بديلاً مقبولاً.

توالت التطورات وتسارعت لتقسم الشارع اليمني، فبالرغم من أن "التغيير" مازال قاسماً مشتركاً يمثل مطلباً لمعظم اليمنيين، فإن "الثورة" فقدت زمام المبادرة بعد إنقسام الشارع إلى مؤيد للثورة ومعارض لها.  لماذا فقدت الثورة زخمها، وما الذي أفقد "التغيير" بريقه؟

بدأت الحكاية بإنضمام أحزاب المعارضة للشباب وأستحواذهم على "الثورة"، وأحزاب المعارضة تلك هي نفسها التي عملت مع نظام الرئيس صالح وخاضت الأنتخابات وأعترفت بالنتائج، وهي نفسها التي دعمت تعديل الدستور والتمديد لمجلس النواب والتمديد للرئيس، وهي نفسها التي خاضت صراع 1994م، وقادتها هم نفس القادة وبنفس الفكر، أحزاب أيديلوجية ودينية مذهبية قريبة من الحكم إن لم تكن فعلاً قد مارسته لعقود.

السبب الثاني هو إلتحاق عدد من قادة نظام الرئيس صالح "للثورة"، وأولئك ممن يشهد لهم بالفساد، ثم إنقسام فرقة من الجيش اليمني وإعلان دعمها "للثورة"، هؤلاء الثوار الجدد ينضمون إلى قائمة قادة حركة التغيير.

السبب الثالث هو تسارع  "الأخطاء" سواء على مستوى قادة "الثورة" من شباب وأحزاب اللقاء المشترك أو على مستوى عدد من المتحمسين للثورة.  دعوات محمومة لم تلتزم بأدنى قدر السلوك الحكيم أطلقها قادة "الثورة"، فمن الدخول لغرف النوم، إلى التقليل من شأن فئات واسعة من الشعب اليمني الذين مازال يطلق عليهم "البلاطجة"، إلى ترهيب الناس عبر محاولة فرض الإضراب، إلى حشد الأطفال، إلى الإعتداء على النساء والشيوخ بحجة أنهم مؤيدين للنظام، وأخيراً قطع الألسنة.

لا أتذكر أني سمعت بجريمة مثل هذه بأستثناء قصص تحكى عن الزمان الغابر، أو ما يشاع عن قيام بعض الأنظمة البوليسية بهذه الجريمة.  قصص الزمان الجاهلي أو غيره.

لقد تمكن قادة "الثورة" وعدد من مؤيديها من تجريدها من المقومات الأخلاقية، وقد بدأ الأمر عبر الترحيب بأئمة الفساد في صفوف الثورة.  كيف لثورة أن تتخلى عن المبادئ الأخلاقية لقيامها؟...

قد نكون بحاجة لثورة سياسية في اليمن، لكننا بدون أدنى شك في حاجة ملحة لثورة أخلاقية، ثورة لأستعادة القيم الأنسانية لتكون أساس حياتنا.  بدون تلك الثورة فإن أي أصلاح سياسي لن يكون سوى ذر للرماد على العيون، وكعجوز تضع المساحيق على وجهها وترى أن ذلك كاف لجذب أرباب الهوى....

صورة من ساحة التغيير بصنعاء، بين الدعوة للحرية ورموز الأستبداد
الشاعر وليد الرميشي في المستشفى بعد قطع لسانه

الأحد، 1 مايو 2011

تأملات

عندما بدأت الأزمة في اليمن قبل حوالي ثلاثة شهور سارع العديد من الناس لتجهيز أنفسهم لما هو أسوأ.  بعض الناس جهزوا أنفسهم بمخزون من الغذاء والوقود، والكثير جهزوا أسلحتهم الشخصية، والبعض قرروا مغادرة صنعاء حتى تنجلي الأزمة.
في الأيام الأولى للأزمة خلت الشوارع من الناس إلا من أضطر للخروج، مع آثروا عدم الخروج خاصة في المساء، بل إن نسبة حضور الطلاب للمدارس تأثرت بشكل كبير.
الشركات والمحلات قامت بأخذ إحتياطاتها فقللت ساعات الدوام، ووضعت حماية خاصة على المقار والمخازن.  الشركات الكبيرة رحلت موظفيها أو اعطتهم أجازة مفتوحة.
كل تلك الأمور أنذرت بتوقف الحياة وحدوث أزمة كبيرة على مستوى التموين الغذائي.  مرت الأيام ومازالت الأزمة مستمرة، ظهرت العديد من الأمور:
- قامت الحكومة بتقليل التواجد الأمني داخل العاصمة، وحتى رجال المرور أصبح تواجدهم قليل.
- المظاهرات المتوقعة وعمليات التخريب لم تحدث أبداً بالرغم من التواجد الأمني الضعيف.
- ما أشيع عن "حشود" من القبائل والمرتزقة ظل في خانة الإشاعة.

بعد حوالي ثلاثة شهور تعود الناس على الوضع القائم.  رجعت الشوارع تزخر بروادها، وعاودت المحلات فتح أبوابها لساعات طوال، ربما أملاً في التخفيف من أثر إنخفاض الطلب بشكل عام.  مازال الغذاء وغيره من الأحتياجات الأساسية متوفرة في الأسواق بشكل طبيعي، كما أن الأسعار لم ترتفع مثلما كان متوقعاً.....

يلاحظ إستمرار النشاط الأقتصادي بشكل غير متوقع في صنعاء وأحد مظاهر هذا النشاط هو إستمرار حركة البناء، ولا شك أن أحد الأسباب هو تخفيف الحكومة للقيود المفروضة وعدم الحاجة للترخيص للبناء.  كذلك فإن تواجد المعتصمين في الجامعة والتحرير وغيرها من الأماكن ساعد في إستمرار تشغيل العديد من المطاعم ومقدمي الخدمات الأخرى.

بدأت أزمة تموين الغاز المنزلي، وهي أكبر أثر ملموس لهذه الأزمة حتى الآن.  تم تقنين توزيع الغاز ولكن الأزمة أستمرت تمثل هماً للمواطن العادي.

إستمر إذن سير الحياة بشكل مقبول في صنعاء برغم طول مدة الأزمة، وبالرغم من حدوث إنقطاعات متزايدة في الكهرباء فذلك مما إعتاد عليه سكان المدينة.  أستمر كذلك تقدم الخدمات العامة والخاصة وعاد الأطفال لمدارسهم حيث لم تؤثر الدعوات للإضراب عليهم بإستثناء طلاب جامعة صنعاء.

الغريب أيضاً ما طرأ من تحسن على الريال بعد أن أنخفضت قيمته بنسبة 10% في بداية الأزمة، ليعود فيحقق مكاسب....

الطارئ الجديد هو وجود أزمة في الوقود من البنزين والديزل...

تستمر الأزمة في اليمن، ويستطيع اليمنيون إثبات قدرتهم على تنظيم حياتهم حتى في ظل هذه الظروف العصيبة، هنا أتذكر صديق لي كان في القاهرة في بداية ثورة 25 يناير وحديثة عن عدم توفر المواد الغذائية في الأسبوع الأول من الأزمة......


السبت، 30 أبريل 2011

جمعة مباركة... وليام وكيت أيضاً

ها هي جمعة جديدة تمر، هي السابعة كما يقول العادون، جمعة تمر على اليمن منذ بدء هذه الأزمة، تعودنا على "الحشود" من طرف النظام، ومن طرف "المعارضة"، ما ميز هذه الجمعة هو العرس الملكي لوليام وكيت.

الكثير من اليمنيين أحتشدوا هذه المرة أمام التلفاز لمشاهدة قصة قلما تكون من الواقع، تداعب أحلامهم الصغيرة مثلما تداعب مخيلات وأحلام الناس في كل هذا العالم.  في هذه الجمعة كان العرس هو المميز للنقاشات والحوارات أينما ذهبت.  في هذه الجمعة تركز حديث الناس عن فستان كيت، ورداء وليام، عن الكنيسة، عن التنظيم، عن المراسم، عن كل شيء يتصل بهذا العرس.  منا من رجع بذكرياته لعرس الأميرة ديانا الشهيرة، ومنا من رجع يقارن بين الأميرتين، ومنا ومنا..... ظهر العرس كحكاية من حكايات الأساطير التي مازالت تحكم العالم في القرن الحادي والعشرين غير عابئة بكل ما وصل إليه العالم من "تطور".

أعجبنا بالحشود المتجمعة وكثرتها، قيل لنا "ستمائة ألف"، هذه الحشود التي ملأت لندن، ستمائة ألف كما قيل لنا.

 البي بي سي البريطانية نفسها قدرت حشود العرس بستمائة ألف، وهي نفسها التي قالت أن " الملايين أحتشدوا في صنعاء" ضد الرئيس و "مئات من مؤيديه"!

ماذا لو استخدم هؤلاء نظارات اليمن ونظروا لعرس الأمير وليام والأميرة كيت لربما قدروا عدد المحتشدين ب 600 مليون .....

مبروك للأميرة كيت وللأمير وليام،

وجمعة مباركة!

الاثنين، 25 أبريل 2011

الصادق

صادق، عرفته منذ حوالي سنتين، شاباً تخرج من جامعة صنعاء قسم اللغة الأنجليزية، بدأ بالبحث عن عمل، حدثني ذات مرة يطلب مساعدته في الحصول على عمل، وقتها عرفت أنه عمل لفترات قصيرة وأشتكى من كثرة العمل مع "قلة الراتب".  نصحته بأن يعمل ولو "بدون مقابل" فذلك سيمكنه من إكتساب بعض الخبرة الضرورية، لم يبد حماسة كبيرة لفكرتي.

يتصف بالهدوء، متردد في الحديث مع الناس، هكذا عرفته.  قبل أكثر من شهرين حدثني عن "الثورة".  أخبرني بحماس بأنه يذهب ويشارك في الساحة، وأكد لي أن هدفه هو التغيير، وذكرني بأنه لم يحصل على عمل بعد وأن "الفساد" هو السبب في ذلك.  عجبت لحماسه المفاجئ، ومما أثار عجبي أن موقفه ذلك يأتي مخالفاً لموقف أبوه الذي وصف الشباب والمطالبين بالتغيير "بالمخربين".  الأب أشتكى من إبنه الذي يذهب لساحة التغيير.

بالأمس فقط ألتقيته بعد أسابيع، كعادته لم يتحدث كثيراً، رد بإقتضاب على سؤالي عنه.  سألته إن كان إسمه قد ظهر ضمن قائمة الموظفين الجدد التي أعلنت عنها الحكومة، أجاب النفي قائلاً أن القائمة شملت فقط المتخرجين حتى 2006م.

بعدها ألتقيت الأب فسألته عن أحوال إبنه، أجاب الأب بأن صادق يشترك في مجموعة للمتطوعين الذين يدرسون في عدد من المدارس الحكومية، قال بأنه تم طلب متطوعين من الخريجين لتغطية العجز الذي خلفه غياب بعض المدرسين (أو إضرابهم) في أمانة العاصمة نتيجة للاحتجاجات والإعتصامات، وقد أبدى صادق الحماس لذلك وألتحق بالمجموعة.

ما أثارني أن صادق إقتنع أخيراً بأن يعمل "متطوعا" وذلك لا شك سيفتح أمامه أبواباً للعمل، أما ما أثار إعجابي أن صادق الذي أكد لي أنه ضمن قوائم الشباب المطالبين بالتغيير قد بدأ بنفسه، فها هو يساهم في خدمة مجتمعه، ويقدم رسالة إنسانية لتعليم الأطفال.

صادق، لم يمنعه إلتزامه بدعم حركة الشباب عن التطوع لتغطية العجز الذي خلفه زملاء له أختاروا أن يعتصموا ويتركوا مهامهم كمعلمين.  صادق لا يرى تناقضاً بين دعمه لحركة التغيير، وما يؤديه من عمل "تطوعي" لخدمة مجتمعه، ما قد يبدو في أول وهله ضد تلك الحركة.

صادق .... مثال للتغيير الذي يجب!

بين الخير والشر

نحلم دائماً بعالم تملؤه السعادة، عالم يسود فيه العدل والمساواة، عالم يسوده الخير.  تلك آمال البشر وأحلامهم منذ خلق الله الإنسان على الأرض، وذلك سعي بني البشر.....

مثلما يوجد الخير في نفوس الناس، يوجد كذلك الشر، فلا خير كامل، ولا شر كامل. غالباً ما نهمل هذه الحقيقة في سعينا نحو الحياة، فمنا من تأخذه الحياة إلى عوالم يغلب عليها الخير فيعيش حياة مستقرة يشعر فيها بالأمان ويمضي فيها يعمل، ومنا من يعيش في عوالم يزيد فيها الشر، ولكل إنسان قدرة على أدراك الخير والشر فالبشر ليسو متساوين، وبحسب الإدراك يتكون موقف الإنسان.

عندما نتعرف على إنسان ننظر فيه، قد يكون طيباً خيراً فننجذب إليه.  تمر الأيام فنكتشف جوانب أخرى من ذلك الإنسان تختلف عن طبائعه التي ظهرت في بادئ الأمر.  نكتشف جوانب "الشر"، ماذا نفعل؟ .....قد يؤدي ذلك إلى عزوفنا ونفورنا، أوقد نبرر لهذا الإنسان هذا "القصور".

سئم الكثيرون منا في اليمن ما نحن عليه.  سئمنا إختلال موازين الحياة، رأينا الظلم و "الشر" يسود، ورأينا "الخير" يضمحل يوماً فيوم.  رأينا الناس يستسلمون للواقع، يسيرون في ركب الحياة، يديرون شئونهم حسبما أتفق، منهم من لا يدرك شيئاً، تأخذه الحياة ويصارع ويمضي بحياته، ومنهم من يؤلمه الواقع، يحاول التكيف معه، يعمل وتظل غصة في حلقه، يأمل بمستقبل أفضل، ومنهم من يرى الحياة صراع مستمر فلا يكاد يرى حاجة غير "الفوز" بما أستطاع الوصول إليه.

جاءت حركات الشباب في العالم العربي سريعة، جاءت تفتح نوافذ جديدة للأمل، فهذه الشعوب العاجزة تنتفض عن واقع مر جعلها في أسفل قائمة الدنيا.  وكأن لسان حال هذه الشعوب يقول بأنها تستحق أكثر من هذا....

في اليمن، خرج المتطلعون، ليس للحرية، فاليمن يتمتع بهامش يفوق الكثير من الدول، ولكن للعدالة، لمستقبل أفضل من واقعه، يتطلع لفتح آفاق جديدة لحياة كريمة.  خرج آلاف اليمنيين ليس للأمساك بسلطة أو الحصول على مال، وإنما لوضع أساس جديد لحياة جديدة يكون فيها "الخير" هو السائد.

ما هي إلا أيام، وألتحق بركب المتطلعين المزيد من الناس، أناس لهم دوافع أخرى، منهم من يسعى وراء سلطة، ومنهم من يسعى وراء مال، ومنهم من يملؤه "الشر".... إلتحق بركب المتطلعين من لا يؤمن أصلاً بوجوب العمل للمستقبل، ولا يرى أبعد من يومه...

فجأة بدأت نوافذ الأمل تضيق، زجاجاتها التي كانت ناصعة تكتسب الأوساخ.  فجأة تحول الكثير منها لمرآة تعكس صورة الواقع.  واقع من "الشر" و "الخير"، لكن "للشر" فيه يد طولى.... فجأة بدأنا نرى الشر ذاته، الشر الذي يملؤنا أمامنا!!!!

غاب أملنا..... أصبحنا نرى "الشر" حاضراً ونراه مستقبلاً....

لنراجع أنفسنا.. لنرى الخير حاضراً ومستقبلاً لعل ذلك يمنحنا القوة لنكون سبيلاً من سبل الخير، ونعمل لأجله... فلا شر مطلق ... ولا خير مطلق....

الثلاثاء، 19 أبريل 2011

صنعاء بين نقيضين

تتوارد الأخبار عن وجود وفد المعارضة في السعودية، ووفد الحكومة في أبوظبي، ويأمل اليمنيون بحل لأزمتهم التي طال أمدها، فأصبح البعض يطلقون الأماني ويشطح البعض في أمانيه خاصة في هذا الشهر الذي يمثل الذكرى الأولى للكارثة التي حلت بمقتل عدد كبير من السياسيين البولنديين أثر سقوط طائرتهم العام الماضي.  لسان حال هؤلاء يقول "ليت هذا الشهر يمثل نهاية ما لهؤلاء الذين جعلوا حياتنا جحيماً لا يطاق".....
في هذا الوقت تسعى المعارضة ممثلة في ساحة التغيير بالتصعيد، وقد فشلت على مدى الأسابيع الماضي في دعوتها للعصيان المدني، فلجأت إلى إستخدام المعتصمين في ساحة ا لتغيير بخروج مظاهرات لا يبدو أن لها هدف محدد.  تلك المظاهرات غالباً ما تواجه بقوات مكافحة الشغب وسرعان ما تتفرق، ويعود الهدوء من جديد.
حزب المؤتمر ومؤيديه أصبح له أيضاً حضور، فعمل على تسيير مظاهرات مؤيدة للرئيس، وأكتسبت تلك المظاهرات شعبية متزايدة وهي تجوب شوارع صنعاء وزاد عدد المشاركين فيها بشكل كبير.

اليوم، وسياسيي اليمن خارجها يتحرك الشارعان، المؤيد والمعارض وإليكم مشاهد بعضها رؤى العين وأخرى نقلت إلي، الأول بجانب مكتبي والثاني بجانب منزلي.


المشهد الأول:
في شارع مجاهد بدأت الأصوات تتوارد وتهز الشارع.  آلاف من المتظاهرين يعبرون الشارع وهم يرددون هتافات مؤيدة للرئيس، وأخرى تستهجن "حميد الأحمر" وثالثة تقدح في حزب الإصلاح...  يستمر المشهد لحوالي ساعة كاملة وكل مجموعة تحمل لافتة بإسم قبيلة أو جماعة.  على الجانب مجموعة من الأطفال أستهواهم الموقف، فوقفوا بجانب أحد المحلات يرفعون أصواتهم تأييداً للرئيس.  عدد كبير من الناس وقفوا على جانب الطريق يشاهدون المنظر... ينتهي الأمر عند هذا.

المشهد الثاني:
في شارع الستين، صوت هادر "إرحل".... رجال الأمن المركزي بعصيهم ينتظرون على تقاطع شارع الزبيري.  يقترب المتظاهرون أكثر...خلف جنود الأمن المركزي يقف عدد كبير من رجال قبائل بني مطر، متجهزين أيضاً بعصيهم.  يوشك الإصطدام أن يقع لولا وجود الأمن المركزي حائلاً بين الطرفين.  يقترب المتظاهرون بشكل أكبر ويشرع  الأمن المركزي بإستخدام الغازات والمياه لتفريقهم.....

فجأة تسمع صوت طلقات للرصاص، ورجال الأمن المركزي يفرون على أثرها متراجعين.... يهجم المتظاهرون على رجال الأمن المركزي.... يتدخل رجال القبائل ويحدث كر وفر....  طلقات الرصاص مازالت تسمع....

ملاحقات في الشوارع الجانبية- مدينة الآنسي-.... يجتمع المتظاهرون على رجل للأمن المركزي صغير البنية، يوسعونه ضرباً.. يسقط الرجل مغشياً عليه... يحمله هؤلاء ويرحلون...
سكان الحارة يقررون طرد المتظاهرين من الحارة، يخرجون بينما يفر المتظاهرون.... وتستمر الملاحقات....
ينفرط عقد المظاهرة ويختفي المشاركون بها بعد كر وفر...
يختفي عشرة جنود من جنود الأمن المركزي المسلحين بالعصي والدروع..... وحتى الساعة.. ليس هناك أنباء مؤكدة عن إختفاء بعض رجال القبائل...
يعود الهدوء للمنطقة....

تصعيد جديد من قبل "المعارضة"، أسميها كذلك لأنني لا أعتقد أن ذلك يمثل "ثورة التغيير"، التوقيت يدل على وجود أغراض سياسية لدى الأطراف، و "أختطاف" جنود الأمن المركزي يمثل طريقة جديدة لتأزيم الوضع.  رجال الأمن المركزي لا يحملون في أيديهم غير عصي ودروع، وهم مكلفون فقط بمنع تقدم المتظاهرين بعد نقاط محددة، إما لأن ذلك يمثل خطراً في وصولهم لمناطق حساسة، أو لوجود إمكانية الإصطدام بالمظاهرات المؤيدة للنظام....

أختطاف رجال الأمن المركزي لا يمكن أن يتم من قبل "متظاهرين" من شباب "الثورة"، بل لا بد أن يتم من قبل عناصر "منظمة"... الهدف تأزيم الوضع بين رجال الأمن المركزي والمتظاهرين، وربما خلق مواجهة بين قوى الأمن المركزي وجهات أخرى...

إلى متى يلعب "شباب الثورة" دور الضحية في هذه الحركة؟  متى يتحركوا لأخذ زمام المبادرة؟... شباب التغيير الذين أخطأوا كثيراً وتنازلوا كثيراً عن مبادئ ثورتهم يخلقون عدواً جديداً لهم......