الاثنين، 4 يوليو 2011

سماية الدي دي

عندما كنت صغيراً كنت مغرماً بالحكايات التي تقصها جدتي وأمي حيث لم يكن التلفاز حينها يشغلنا كثيراً، وكانت تلك الحكايات (في اليمنية الدارجة السمايات ومفردها سماية بضم السين) تلهب الخيال وتسرح به في عوالم جديدة.  كنت كغيري من الأطفال دائم الطلب إلى جدتي ووالدتي ليقصا علي الحكايات، وعندما كنت آتي إلى أحداهما وهي منشغلة كانت تقول لي "سأساميك سماية الدي دي"، وما أن أقول "أيوه" حتى أقع في الفخ... ويدور حوار قد يطول:
جدتي: " ليش قلت أيوه؟"
أنا: " هكذا"... جدتي:"ليش قلت هكذا؟"
أنا: " هيا".... جدتي:" ليش قلت هيا؟"
أنا: " أحكي لي"... جدتي" ليش قلت إحكي لي؟"
أنا: "خلاص" ... جدتي: "ليش قلت خلاص؟"
أنا: " ما عدا اشتيش"... جدتي: " ليش قلت ما عدا اشتيش؟"
..........
بالأمس القريب كنت أشاهد مقابلة نائب رئيس الجمهورية ومما لفت نظري قوله أنه في "حوار" مع "المعارضة" حول الوضع في اليمن وبصدد "أيجاد حلول" للوضع القائم......
بعد تدهور الوضع إلى مستوى أثر على الصغير والكبير، وبعد إن وصل الناس إلى طريق مسدود يقول نائب الرئيس بأنه في "حوار"....
كل يوم يأتي بالمزيد من الويلات لجميع اليمنيين، ويزيد حياتهم تعقيداً..... ونائب الرئيس يتحدث عن "الحوار".......
إليست سماية الدي دي......


الأربعاء، 15 يونيو 2011

مقارنات مؤسفة


مقارنات مؤسفة
مرة أخرى تدفعنا الوقائع للمقارنة، وبدون إدراك منا نجد أنفسنا مجبرين على وضع الصور متوازية في أذهاننا، وهذه المقارنات يطلقها الناس حيثما تجمعوا وحيثما تحدثوا عن الواقع المعاش.
"ثورة شباب اليمن" التي قامت لمحاربة الفساد فقدت تدريجياً رؤيتها، فأصبحت عنواناً فقد معناه.  كانت "ثورة سلمية"  تسعى لتغيير واقع اليمن إلى الأفضل.  كانت ساحة الجامعة ترحب بالقادمين، وكان الترحيب حاراً وكأنه يدعو كل يمني إلى هذا الفضاء الجديد، وبالأمس كانت الساحة لا تنظر للون شعر القادم أو ملبسه، بل كانت تتطلع نحو يمن للجميع.  كانت الساحة تشكو "جور النظام" وتعديه على حقوق الناس، وتبشر بمستقبل يتساوى فيه الناس وتنفتح آفاق النجاح للمجتهد بقدر ما يشاء، ويعاقب فيه المسئ بقدر إساءته، بالأمس كانت الساحة تضم كل من أحس بالظلم، أو خيبة الأمل، كل المتطلعين لمستقبل أفضل، بالأمس بشرتنا الساحة أن روادها سيسعون دوماً لخدمة بلدهم ولن يكونوا كمثل "هذا الحاكم" الذي يسخر البلد لخدمته.
تقدم النظام بتنازلات، سعى لإنقاذ نفسه، هل فكر فينا؟، لا ندري، ولكننا على يقين أنه سعى لأنقاذ نفسه من موجة كادت تغرقه، تنازلاً تلو آخر حتى لم يترك شيئاً يقدمه.  واجتهه الساحة بالرفض، قيل لا بد من "اسقاط النظام"، ولم يفهم أحد من أين يأتي ذلك الزخم.  كان التكبر قد بلغ مبلغه فرفضت المبادرات، وقيل ألا بديل عن أسقاط النظام، ووسط ذلك رفض حتى التوسل بالإحتكام لكتاب الله، بغض النظر عن كونه وسيلة من وسائل الخلاص للنظام.
الآن فقط نعي أن إنقاذ "النظام" لو تم قبل عدة شهور كان سيحقق لنا ما لم يتحقق، ولن يتحقق مستقبلاً، والآن ندرك كيف أن "تكبر" الساحة قد أوصلنا للهاوية.
تحمل "النظام" سفسطة الساحة وسفه المتكلمين.  قدح القادحون في أعراض الناس ما شاءوا ونسجوا الحكايات وقدموا التحليلات ليثبتوا أنهم على حق، بعضهم استخدم المنطق، وبعضهم عرض الحقائق، والآخرين أستخدموا الدين ما حلا لهم.  البعض رأى في الأمر إنتقاماً للماضي، والبعض رأي فيه تبريرا لموقف، والبعض سعى من خلاله لتحقيق مصالح فردية أو جماعية.
الآن "الساحة" هي من يضيق بالرأي، و"الساحة" هي من يمنع الحديث، والساحة هي من يتهم الآخرين بالخيانة، بالعمالة، بالسعي للتخريب.  الساحة اليوم تبحث عن لون بشرتك، عن هندامك، بل وعن مكنونات قلبك قبل أن تقبلك فيها.  الساحة الآن تحكم عن نواياك وتقرر من تكون.  الساحة اليوم تصنف الناس "اصلاحي، حوثي، اشتراكي،...." وخلاف هؤلاء لا يجب أن يكونوا هناك فهم "بلاطجة".
بالأمس جاءت أخبار الحادث المروري الذي تعرض له الزنداني في عمران سكت "النظام" ولم يتشف أحد، ولم يربط أحد بين هذا الحادث وموقف الزنداني.  الكثير استغربوا من موقف النظام حينها، ولعلهم للآن لم يفهموه.
الساحة التي استقدمت الأوساخ والأوحال، وأقامت الصلاة على القتلة اللصوص سكتت عن تخريب الممتلكات العامة والخاصة.  الساحة إحتفلت بالدماء، دماء الشباب، ودماء الآمنين في بيت الله.  الساحة أحتفلت بالموت، وكأن الموت هدف ونصر...
الساحة التي فقدت الكثير من روادها وحصرت أهدافها في حصول فئة محددة على السلطة، تبشرنا كل يوم أن حياتنا ستتحول إلى جحيم إذا لم نكن ضمن تلك الفئة.  الساحة تبشرنا كل يوم بأن "الكهرباء لن تعود، والنفط لن يعود، والأمن لن يعود" وبأن "الدولة قد أفلست ولم تعد قادرة على دفع اجور الموظفين" وبأن.. وبأن... وبأن لا خلاص لنا إلا أن نكون ضمن تلك العصابة.....

السبت، 11 يونيو 2011

الثورة ومهرجان الرئيس


الثورة ومهرجان الرئيس
(هل كان هناك من يتوقع أن تتحول "الثورة" إلى إحتفال بالقتل!)
يوم الأربعاء 8 يونيو، الساعة جاوزت العاشرة مساءً في وادي شيعان، أحد أودية مديرية القفر.  شاءت الظروف أن أكون هناك، وكان الظلام يلف المكان مع انقطاع التيار الكهربائي منذ أيام.  كنت أتهيأ للنوم وكانت الساعة قد جاوزت العاشرة مساءً عندما بدأت طلقات الرصاص تدوي في الوادي.  لحظات فإذا طلقات أخرى من مناطق مختلفة.  ذهبت استطلع الأمر، وصعدت إلى السطح حيث كان الظلام دامساً باستثناء قمر وليد لم يستطع نوره أن يبدد شيئاً من الظلام.  زادت الطلقات وظهرت الألعاب النارية، أنتلقت الطلقات من مناطق مختلفة من الوادي، روؤس الجبال أشتركت، ولحظات فإذا بيوت تشعل النيران "التنصير أو التشعيل" على السطوح....
أستطلعت الأمر عبر الإتصال للبعض في الوادي وفي صنعاء، لم يكن هناك خبر مؤكد لكن الأمر كان إما "ان الرئيس عاد لليمن" أو أن "العملية التي أجريت له قد نجحت"... علمت في وقتها أن النيران تنطلق أيضاً في صنعاء وبكثافة، وكذلك الألعاب النارية... أستمريت في المراقبة على السطح وكانت أصوات الزغاريد تطلقها النساء، بينما الأغاني تنطلق من المسجلات.  بدا وكأن الوادي أصيب بحالة هوس، ومرت دقائق فظهرت أضواء كثيرة، كان الناس يتجمعون من قرية لأخرى وهم يصيحون " الشعب يريد علي عبدالله صالح، زنقة زنقة دار دار غيرك يا علي ما نختار.... " جابت تلك الأضواء القرى ووصلت لقرب البيت الذي كنت على سطحه....
بعد أكثر من نصف ساعة غادرت السطح بينما أستمر المهرجان حتى منتصف الليل....
في الصباح تبين أن الأمر كان "نجاح عملية أجريت للرئيس"، وعلمنا أن المهرجان أنتقل لجميع مناطق اليمن، بل قيل أن "المعارضين" أضطروا للمشاركة فيه....الغريب مشاركة مناطق مثل تعز والتي يقال أنها ضد الرئيس...
المهرجان في وادي شيعان أستمر في اليوم التالي، وكان الغالب عليه التنصير بالنار، وجاب الأطفال والشباب القرى وهم يغنون ويدقون المرافع....
لعل المهرجان جاء "رداً" على اما أبداه "رواد ساحة الإعتصام" من فرحة إثر أنباء عن "مقتل" الرئيس، بل وقيامهم بجزر الذبائح، واطلاق الألعاب النارية والإحتفال بهذا لحدث.....
للأسف فإن مهرجان الرئيس كان هو الأنجح، فقد إستطاع أن يثبت "شعبية" الرئيس ووجود مؤيدين له في مختلف أنحاء اليمن لم يتوقعها أحد، ولعل ما قام به المعتصمون قد أساء لليمن واليمنيين بشكل عام، فقد كان إحتفالاً تبع عمل من أعمال الغدر والخيانة وفي بيت من بيوت الله، عمل استهدف عدد كبير من قيادات الدولة...كان إحتفالاً بالموت...
جاء مهرجان الرئيس كرد قاطع أيده غالبية اليمنيين، فقد كان إحتفالاً بالحياة وبالأمل...
وهكذا تحولت "الثورة" لدعوة للموت، وتحول "الرئيس" لدعوة للأمل......  

السبت، 4 يونيو 2011

الثورة الأخلاقية- من جديد

الثورة الأخلاقية- من جديد

عندما بدأت حركة الشباب قبل ما يزيد عن أربعة شهور رفعت شعارات محاربة الفساد وقد أنحرفت تلك الحركة عن مسارها بعد بضعة أسابيع ولأسباب متعددة، وللأسف فإن تخلي الحركة "الثورة" عن مبادئ إنسانية جعلتها في مهب الريح، وقد أثبتت الأيام ذلك حتى وصلت الحركة لنقطة النهاية ببدء المواجهات بين قبائل أبناء الشيخ الأحمر وقوات الأمن في صنعاء خلال الأسبوع الماضي.  قامت عناصر القبائل بالأستيلاء على عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، ويبدو أن ذلك جاء ضمن مخطط لفرض السيطرة على الجزء الشمالي من العاصمة تمهيداً لفرض الأمر الواقع وربما الإستيلاء على السلطة بشكل كامل.
عناصر القبائل ظلت في عدد من الوازارات والمؤسسات الحكومية لأيام بعد تردد الرئيس في مواجهتها، ولجوءه للوساطة القبلية التي سرعان ما أثبتت فشلها.  الغريب في الموضوع أنه بعد طرد تلك العناصر القبلية من تلك المؤسسات الحكومية لوحظ أنها تعرضت للنهب وليس التخريب فقط!
بالأمس كانت لي فرصة السفر على إحدى الحافلات المتجة لعدن، وقد كان بجواري أحد الشباب المتجهين إلى تعز.  كان الرجل قلقاً كثير الاستخدام للهاتف، وقد فهمت من مكالماته أنه دكتور صيدلي.   ظهر لي أنه ملتزم فحتى نغمة هاتفه تصدح بأغنية مدح للرسول صلى الله عليه وسلم.
في أثناء رحلتنا التي استمرت حوالي ثلاث ساعات كان إلى الجانب الآخر من الحافلة رجلين، وقد تلقى أحدهما مكالمة، "استشهد"، "لا"، "لاو حول ولا قوة إلا بالله"، قال أحدهما وهو يتحدث للهاتف، ثم توجه بالحديث للرجل المجاور له، قال "فلان استشهد في تعز"...... عندها انطلق الشاب بجواري.... "سهل سهل.... هو من شهداء الثورة... سهل سهل..."
ظهر واضحاً أن الشاب بجواري كان ممن ناصروا حركة الشباب... توجه نحوي بالكلام.. "الله يلعنهم اللقاء المشترك خربوا الثورة"... التزمت الصمت....
مرت الدقائق ولم يكن بيني وبين هذا الشاب الكثير من الكلام... سألني إن كنت أخزن... اجبته بالنفي.
عندما وصلنا إلى ذمار فإذا رفيقي الثائر يتصل  بشخص ما.  "قد الإدارة أتصلوا؟" قال متسائلاً.  " إذا اتصلوا قولوا لهم أني في الشارع الثاني.... عند.... او...." ... "إذا اتصلوا قولوا لهم هكذا".. " أنا راجع يوم السبت"...
مرة أخرى... نحن في أمس الحاجة لثورة أخلاقية.... لم تبدأ بعد!

السبت، 21 مايو 2011

البلاطجة

منذ بداية "الثورة الشبابية" التي سرعان ما تحولت لأزمة ستكمل عما قريب شهرها الرابع ظهرت العديد من الأمور التي لم نألفها، ولم نسمع بها كيمنيين، بل أزعم أن بعض تلك الأمور هزت ما نؤمن به من عادات وتقاليد وموروثات، لا شك أن بعضها كامن في نفوسنا، وربما لآلاف السنين ظل ضمن مكونات الشخصية اليمنية.
فجأة تنهار كل أسوار المحضور في هذا البلد، فجأة تتحول الكلمة التي كانت "مقدسة" إلى مجرد حروف تجتمع، وفجأة نجد من لا يبالي بما يقوله، أو لعله يقصد ما يقوله، وتلك طامة كبرى.  طالعتنا الصحف والمجلات بل والفضائيات على الهواء مباشرة بألوان من الكلام لم نألفها.  أصبحت لغة السب والشتم والقذف هي السائدة، وبدا أن "إسهالاً" قد أصاب الأفواه، إن لم أقل "العقول".  كثر الكلام دون طائل، وكأن كثرة الكلام وبذاءته أصبحت أسلوباً لتحقيق "النصر"...... وحتى حادثة قطع اللسان المشؤومة، والتي لا أعتقد أن هناك بشر على وجه هذه الأرض لا يشمئز منها، يبدو أنها لم تؤثر... بل زادت المرض حدة....
مما طالعتنا به صحافتنا وأعلامينا وغيرهم كلمة بلاطجة... كلمة أتت نقلاً عن اللفظ المصري "بلطجية".  ألصقت هذه الصفة بعدد من الرجال الذين أستقدمهم النظام لإحتلال ميدان التحرير.. استباقاً لما خطط له أحزاب اللقاء المشترك من الإعتصام فيه على غرار ما حدث في ميدان التحرير بالقاهرة.  الغريب أن هؤلاء ظلوا، وما زالوا يحملون عصيهم (صمولهم) حتى اليوم بالرغم من أنهم لم يقوموا فعلياً باستخدامها....
إذن هي جماعات "مأجورة" الهدف منها التخويف لمنع الآخر من التقدم... في مصر، وبعد فشل الأمن في تحقيق شيء، استخدم النظام عدد هائل من هؤلاء للإعتداء على المعتصمين في ميدان التحرير.... لقد فشل النظام المصري أيضاً في الإستفادة من هؤلاء لتحقيق أغراضه.  في اليمن قيل أن عدد من المأجورين أعتدى على بعض طلاب جامعة صنعاء ممن بدأوا بحركة الأحتجاج، وكانت تلك أيضاً آخر مرة سمعنا فيها عن قيام هؤلاء بأي نشاط، بالرغم من تواجدهم في عدة مناطق في العاصمة.
بلاطجة، كلمة بنكهة يمنية، ألصقت بهذه المجموعات والتي معضمها من رجال القبائل المسنين.  هؤلاء ليست لديهم البنية لفعل الكثير لكنهم ظلوا يمثلون عنصراً هاماً في الصراع.
اليوم سمعنا أن عدداً من طلاب جامعة الحديدة فشلوا في "ايقاف الدراسة" في الجامعة بعد تدخل الأمن، وبالأمس كنت مع أحد طلاب جامعة صنعاء.  صديقي كان يشكو حاله، فها قد مرت ثلاثة شهور من شهور الفصل الأربعة دون أن تستأنف الدراسة.  السبب كما قيل هو تهديد ووعيد من "المعتصمين" في حال استئناف الدراسة بالجامعة.  إذن ذهب نصف عام دراسي لأكثر من عشرين ألف من طلاب الجامعة سدى.  سألت صديقي لماذا لا يحاولون عمل شيء، مثل الأحتجاج، قال أن أحداً لم يفكر في ذلك.  جهود إدارة الجامعة لأستئناف الدراسة فشلت وفضلت ايقاف الدراسة على المواجهة.
إذن هؤلاء الشباب "الثائر" قرروا منع وتعطيل الدراسة، وقرروا أن "ثورتهم" أكثر أهمية من أن يعارضهم فيها أحد.  هؤلاء لم يكتفوا بذلك بل "فرضوا" بالقوة إغلاق الجامعة، ومنعوا الطلاب والمدرسين من ممارسة مهامهم، ولأكثر من ثلاثة شهور.
ترى من له حق الإعتداء على حرية الآخرين بالقوة؟
البلاطجة.... هذا مصطلح بنكهة يمنية... وللأسف .....

الجمعة، 6 مايو 2011

الثورة الأخلاقية

طالما سمعنا، وقرأنا في الكتب عن الأخلاق العربية الأصيلة، وطالما أفتخرنا بالخصال التي يحملها العربي كجزء لا يتجزأ منه، من الكرم إلى الفخر بالنسب والأصل والعشيرة، إلى العدل وإغاثة الملهوف ومحاربة الظلم والظالمين.  صفات طالما طالعتنا في قصص التاريخ، وخصال طالما حلمنا بأن تكون معنا دوماً.

عندما يتطلع العربي لواقعه، فإنه يصاب بخيبة أمل.  تلك الصفات العربية الأصيلة تضمحل فلا يكاد يتبينها.  هأنت تسافر في البلاد طولاً وعرضاً فلا تسمع ما درج عليه العرب من دعوة للغريب وإكرامه، ولو على سبيل المجاملة، وهأنت ترى العرب يفقدون إعتزازهم بأنفسهم ويسعون نحو مصالحهم، هأنت ترى الظلم يطغى وترى أن دور "القبيلة" يقتصر على المقتدر أما الفقير فلا حياة له.  هأنت ترى الغدر والخيانة ظاهرتين تطغيان على غيرهما في سعى الناس للكسب، وهأنت ترى التنافس المحموم بين الأخوة يسوغ كل شيء....
فماذا بقي من الأخلاق العربية غير ما في قصص التاريخ؟

عندما بدأت حركة الشباب في اليمن كنا نعرف ما نحن بحاجة إليه، التغيير.  تلك الكلمة السحرية التي جرت وراءها عشرات الآلاف من الناس.  نعم فاليمنيين بحاجة لتغيير واقعهم الذي خرج عن المألوف فضاعت القيم والأخلاق في خضم التسابق نحو المصالح والصراع المحموم على المال.  التغيير مطلوب للخروج من نفق مظلم لا يمكن أن يبقى فيه اليمنيون إلى الأبد.

أكتسبت الدعوة للتغيير، والثورة ضد الواقع تعاطفاً ودعماً شعبياً كبيراً ومتعاظماً في بدء المرحلة، بحيث طغى على بقية الأصوات، وبالرغم من عدم وضوح ماهية التغيير المطلوب، فإن الدعوة كانت مبررة لدى العامة والخاصة الذين لم يروا في إستمرار الوضع القائم بديلاً مقبولاً.

توالت التطورات وتسارعت لتقسم الشارع اليمني، فبالرغم من أن "التغيير" مازال قاسماً مشتركاً يمثل مطلباً لمعظم اليمنيين، فإن "الثورة" فقدت زمام المبادرة بعد إنقسام الشارع إلى مؤيد للثورة ومعارض لها.  لماذا فقدت الثورة زخمها، وما الذي أفقد "التغيير" بريقه؟

بدأت الحكاية بإنضمام أحزاب المعارضة للشباب وأستحواذهم على "الثورة"، وأحزاب المعارضة تلك هي نفسها التي عملت مع نظام الرئيس صالح وخاضت الأنتخابات وأعترفت بالنتائج، وهي نفسها التي دعمت تعديل الدستور والتمديد لمجلس النواب والتمديد للرئيس، وهي نفسها التي خاضت صراع 1994م، وقادتها هم نفس القادة وبنفس الفكر، أحزاب أيديلوجية ودينية مذهبية قريبة من الحكم إن لم تكن فعلاً قد مارسته لعقود.

السبب الثاني هو إلتحاق عدد من قادة نظام الرئيس صالح "للثورة"، وأولئك ممن يشهد لهم بالفساد، ثم إنقسام فرقة من الجيش اليمني وإعلان دعمها "للثورة"، هؤلاء الثوار الجدد ينضمون إلى قائمة قادة حركة التغيير.

السبب الثالث هو تسارع  "الأخطاء" سواء على مستوى قادة "الثورة" من شباب وأحزاب اللقاء المشترك أو على مستوى عدد من المتحمسين للثورة.  دعوات محمومة لم تلتزم بأدنى قدر السلوك الحكيم أطلقها قادة "الثورة"، فمن الدخول لغرف النوم، إلى التقليل من شأن فئات واسعة من الشعب اليمني الذين مازال يطلق عليهم "البلاطجة"، إلى ترهيب الناس عبر محاولة فرض الإضراب، إلى حشد الأطفال، إلى الإعتداء على النساء والشيوخ بحجة أنهم مؤيدين للنظام، وأخيراً قطع الألسنة.

لا أتذكر أني سمعت بجريمة مثل هذه بأستثناء قصص تحكى عن الزمان الغابر، أو ما يشاع عن قيام بعض الأنظمة البوليسية بهذه الجريمة.  قصص الزمان الجاهلي أو غيره.

لقد تمكن قادة "الثورة" وعدد من مؤيديها من تجريدها من المقومات الأخلاقية، وقد بدأ الأمر عبر الترحيب بأئمة الفساد في صفوف الثورة.  كيف لثورة أن تتخلى عن المبادئ الأخلاقية لقيامها؟...

قد نكون بحاجة لثورة سياسية في اليمن، لكننا بدون أدنى شك في حاجة ملحة لثورة أخلاقية، ثورة لأستعادة القيم الأنسانية لتكون أساس حياتنا.  بدون تلك الثورة فإن أي أصلاح سياسي لن يكون سوى ذر للرماد على العيون، وكعجوز تضع المساحيق على وجهها وترى أن ذلك كاف لجذب أرباب الهوى....

صورة من ساحة التغيير بصنعاء، بين الدعوة للحرية ورموز الأستبداد
الشاعر وليد الرميشي في المستشفى بعد قطع لسانه

الأحد، 1 مايو 2011

تأملات

عندما بدأت الأزمة في اليمن قبل حوالي ثلاثة شهور سارع العديد من الناس لتجهيز أنفسهم لما هو أسوأ.  بعض الناس جهزوا أنفسهم بمخزون من الغذاء والوقود، والكثير جهزوا أسلحتهم الشخصية، والبعض قرروا مغادرة صنعاء حتى تنجلي الأزمة.
في الأيام الأولى للأزمة خلت الشوارع من الناس إلا من أضطر للخروج، مع آثروا عدم الخروج خاصة في المساء، بل إن نسبة حضور الطلاب للمدارس تأثرت بشكل كبير.
الشركات والمحلات قامت بأخذ إحتياطاتها فقللت ساعات الدوام، ووضعت حماية خاصة على المقار والمخازن.  الشركات الكبيرة رحلت موظفيها أو اعطتهم أجازة مفتوحة.
كل تلك الأمور أنذرت بتوقف الحياة وحدوث أزمة كبيرة على مستوى التموين الغذائي.  مرت الأيام ومازالت الأزمة مستمرة، ظهرت العديد من الأمور:
- قامت الحكومة بتقليل التواجد الأمني داخل العاصمة، وحتى رجال المرور أصبح تواجدهم قليل.
- المظاهرات المتوقعة وعمليات التخريب لم تحدث أبداً بالرغم من التواجد الأمني الضعيف.
- ما أشيع عن "حشود" من القبائل والمرتزقة ظل في خانة الإشاعة.

بعد حوالي ثلاثة شهور تعود الناس على الوضع القائم.  رجعت الشوارع تزخر بروادها، وعاودت المحلات فتح أبوابها لساعات طوال، ربما أملاً في التخفيف من أثر إنخفاض الطلب بشكل عام.  مازال الغذاء وغيره من الأحتياجات الأساسية متوفرة في الأسواق بشكل طبيعي، كما أن الأسعار لم ترتفع مثلما كان متوقعاً.....

يلاحظ إستمرار النشاط الأقتصادي بشكل غير متوقع في صنعاء وأحد مظاهر هذا النشاط هو إستمرار حركة البناء، ولا شك أن أحد الأسباب هو تخفيف الحكومة للقيود المفروضة وعدم الحاجة للترخيص للبناء.  كذلك فإن تواجد المعتصمين في الجامعة والتحرير وغيرها من الأماكن ساعد في إستمرار تشغيل العديد من المطاعم ومقدمي الخدمات الأخرى.

بدأت أزمة تموين الغاز المنزلي، وهي أكبر أثر ملموس لهذه الأزمة حتى الآن.  تم تقنين توزيع الغاز ولكن الأزمة أستمرت تمثل هماً للمواطن العادي.

إستمر إذن سير الحياة بشكل مقبول في صنعاء برغم طول مدة الأزمة، وبالرغم من حدوث إنقطاعات متزايدة في الكهرباء فذلك مما إعتاد عليه سكان المدينة.  أستمر كذلك تقدم الخدمات العامة والخاصة وعاد الأطفال لمدارسهم حيث لم تؤثر الدعوات للإضراب عليهم بإستثناء طلاب جامعة صنعاء.

الغريب أيضاً ما طرأ من تحسن على الريال بعد أن أنخفضت قيمته بنسبة 10% في بداية الأزمة، ليعود فيحقق مكاسب....

الطارئ الجديد هو وجود أزمة في الوقود من البنزين والديزل...

تستمر الأزمة في اليمن، ويستطيع اليمنيون إثبات قدرتهم على تنظيم حياتهم حتى في ظل هذه الظروف العصيبة، هنا أتذكر صديق لي كان في القاهرة في بداية ثورة 25 يناير وحديثة عن عدم توفر المواد الغذائية في الأسبوع الأول من الأزمة......