ونجْحت الثورة!
بدأت كثورة على الفساد الهدف منها هو تغيير الواقع الذي تراكمت فيه الأخطاء وسيطرت فيه جماعة على الأوضاع وأنحرفت عن الطريق الذي يمكن أن يحقق العدالة، وأصبح التغيير مطلباً ملحاً لكنه بعيد المنال.
رفعت راية التغيير وظهر على هيئة "ثورة" إتفقت عليها فئات كبيرة من المجتمع، "ثورة" رأت فيماحدث في تونس ومصر أنموذجاً يمكن إعادة تكوينه في اليمن. لم تكن "الثورة" على أفراد بعينهم بقدر ما كان على واقع في مجتمع إعتاد على الفساد حتى أصبح جزءاً منه. كان الهدف هو التحلل من الماضي الذي فسدت فيه أخلاق المجتمع وقيمه وبناء الحياة على أسس جديدة.
خرج بعض الشباب، وخرج معهم كل متطلع لمستقبل أفضل، رجال، نساء، وحتى الأطفال شاركوا، كانت بوابة جامعة صنعاء منبتاً لآمال عراض جذبت الكثيرين ومن أجيال مختلفة. كان يجمعهم الأمل بحياة أفضل. عملوا لأيام وأسابيع وكأنهم يبنون وطناً لا خياماً مؤقته، وكنت ترى النشاط والحركة فتعجب عن الدافع وراء هؤلاء، وترى التعاون والتفاهم فتعجب هل يمكن للأمل أن يصنع ذلك كله؟
لحقت الأحزاب الركب، ليس لأنه لم يكن لها دور منذ البداية، لكنها كانت تخاف من الظهور. جاءت الأحزاب التي لم تنجح لأكثر من عقدين في تقديم بديل للنظام القائم يرتضيه الناس، جاء ت الأحزاب لتتقمص روح الشباب، وهي الأحزاب الهرمة التي على رأسها شيوخ لا يملكون من الأمل إلا حلمهم في الوصول للقمة قبل أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.
سرعان من سيطرت الأحزاب على الساحة، وظهرت ثقافة تلك الأحزاب، فها هم الشباب تحت الرقابة، وأصبح للساحة وزارة للإعلام، وأخرى للصحة، وكذلك وزارة للداخلية ورجال أمن، بل ومخابرات، وأصبح كل شيء بحساب. بدأ تقاسم السلطات في الساحة وبدأ الصراع على أشده، واصبحت القضية من يسيطر على الساحة.
وضعت الأحزاب أموالها المشبوهة تحت تصرف الساحة، وتوفرت للشباب متطلباتهم دون أن يبذلوا أدنى جهد. وتاه الشباب في أموال الأحزاب وقدراتها فتركوا الحبل على الغارب لتلك الأحزاب، فصارت هي التي تقرر كيف ومتى تتحرك "ثورة" الشباب، ولم يتمكن الشباب على مدى شهور من تكوين من يمثلهم، وظلت الأحزاب دوماً هي من يسيرهم، بل وأوحت إليهم أنهم يجب ألا يتكلتوا، فالأحزاب كانت ومازالت ترى في الشباب قوة لن تستطيع مواجهتها، لذا عملت على جعلها كالكلب الجائع الذي تمسك بزمامه، فمتى شاءت أطلقته لتصفي حسابها مع النظام،....... ووقع الشباب في الفخ.
"حيا بهم... حيا بهم"، كان الشباب بابتسامتهم يستقبلون بها كل من دخل منطقتهم، وكان لتلك الكلمات وقع السحر على من يذهب لساحة الجامعة، فيدمن عليها ويعاود الذهاب.... كان الشباب يحسون بالقوة كلما رأوا مئات من الناس صغاراً وكباراً رجالاً ونساء يتجولون في الساحة ولو لمجرد الإطلاع والفضول. كان الشباب يحسون أن كل من جاء للساحة سينقل رسالة عن تطلعاتهم وطموحاتهم، وقد نجحوا إلى حد كبير في جذب الآلاف من الناس على مدى الأسابيع الأولى "للثورة"....
"حيا بهم... حيا بهم"، سرعان ما جذبت عناصر أخرى، المتطلعين والإنتهازيين، والأسوأ "اللصوص" و"الفاسدين" بل و "المطلوبين من قبل الثورة".... سرعان ما تحول أولئك إلى منظرين وقادة لحركة الشباب بحكم جاههم، سلطانهم، مالهم وغيرها من العوامل. من أولئك من يرتبط بالأحزاب التي سيطرت على الساحة، ومنهم من كان محسوباً على النظام القائم نفسه (بل وأكثر)، النظام الذي كانت تستهدفه "الثورة".... ووقع الشباب في فخ "حيا بهم" وأعمتهم الرغبة في زيادة عددهم عن الهدف الرئيسي "للثورة".
نقاء "الثورة" إختلط ب"خبث" الأحزاب وتخطيطها، وأوساخ الفاسدين، المصداقية التي كان الشباب يتمعون بها في بداية المرحلة ذهبت أدراج الرياح، ووقع الشباب ضحية لدعوى "أنها الحرب" و"الحرب خدعة" وأن الحرب الأعلامية هي إحدى لوازم المعركة... ووقع الشباب في فخ الكذب والتهييج الإعلامي، الذي سرعان ما أنكشف لدى عامة الناس.
وتفاوضت الأحزاب مع النظام، مرة ومرتين وثلاث، وكان الشباب بموقف "المتفرج"، يشاهد ويكتفي بذلك، وعلى النقيض كانت الأحزاب تحتفظ بالشباب لتحرقهم عند اللزوم. وكانت توحي إليهم بأنهم يجب ألا يتنازلوا عن مطلبهم في "إسقاط النظام"، بل و"إسقاط الرئيس"، ووقع الشباب في فخ عدم تخليهم عن مطالبهم ووقوفهم موقف المتفرج مما يحدث حولهم.
مع مرور الوقت بدأت الثورة تفقد بريقها، ومعناها. بدأ المواطن يرى ألا شيء يتغير وأن إستمرار "الإعتصامات" لن يؤدي لشيء. أستهلكت مشاعر الناس في القتلى الذين سقطوا، ورأت الأحزاب التصعيد عبر الدعوة للعصيان المدني، والقيام بمسيرات في الشوارع، وقد فشلت تلك الوسائل، بل كلفت "الثورة" الكثير بفقدان التعاطف مع "الثورة" ومطالبها، فقد إستخدمت الأحزاب أساليب الترهيب، ورأى الكثيرون أن تلك الوسائل عبثية لا تفيد أحد. ووقع الشباب في فخ التصعيد، وذهب العديد منهم ضحايا له.
مرة أخرى رأت الأحزاب أنها وصلت لطريق مسدود، فالثورة تكاد أن تنتهي ولم يتحقق شيء، وقد أستغل النظام الوقت وبنى قواعد من المتعاطفين معه والمؤيدين يكاد عددهم يفوق المتعاطفين مع "الثورة" والمؤيدين لها. ورأت الأحزاب أن لغة القوة هي الملجأ الأخير، وأن "الإنقلاب" سيحقق الغرض. وقف الشباب يشاهدون الحصبة وهي تحترق، وحالما ظهرت حجم الكارثة أصبح الشباب الملجأ، وصلى الشباب على قتلى الحصبة ممن إحتلوا مؤسسات الدولة بصفتهم "أبطال وشهداء الثورة"... وأصبح الشباب ليسوا أكثر من رقم يضاف لخانة "قادة الثورة" الجدد القدماء. ووقع الشباب في فخ مواجهات مع السلطات لم يكونوا طرفاً فيها ورأى الناس فيها عبثاً بالمال العام وجريمة في حق الناس أنفسهم، فكيف تصبح مؤسسات الدولة هدفاً "لثورة" يفترض أن تقدم نموذجاً أفضل للمستقبل.
في مشهد درامي رقص الشباب على مشاهد الدماء وأشلاء الضحايا في بيت من بيوت الله، أطلقوا الأعيرة النارية، غنوا، رقصوا، ذبحوا الذبائح. في يوم "مقدس" لدى غالبية اليمنيين رأت الأحزاب حرق آخر أوراق الشباب، فها هم يحتفلون بالموت، في مشهد ربما ليس له مثيل، فحتى مقتل أسامة بن لادن وما تبعه من إحتفال البعض في أمريكا أثار حفيظة الكثير من الأمريكيين الذين رأوا في الإحتفال بموت إنسان صفة غير إنسانية، فماذا إذا كان الموت شمل العشرات ممن كانوا يؤدون الصلاة في يوم مقدس. ووقع الشباب في فخ إيحاءات الأحزاب.
أستخدمت الأحزاب الشباب، حققت الكثير من أغراضها، رفعت من أرصدتها لدى العامة (أو هكذا تعتقد)، تفاوضت مع النظام بقوة الشباب، وتحالفت مع بعضها، ومع الشباب، وهاهي تعمل لتقسيم "الكعكة" فيما بينها، وبالطبع لن يكون للشباب إلا ما تبقى من الفتات.
أستهلكت "الثورة" مشاعر الناس، خيبت آمالهم، وأضرت بطموحاتهم. عقدت "الثورة" حياة الناس وأضرت بحياتهم اليومية، قطعت أرزاقهم، قطعت الكهرباء، وجعلت الحصول على الوقود معركة يومية، ومع ذلك كله لم تحتفظ "الثورة" بمبدأ واحد من مبادئها....
ألم تنجح الثورة بعد؟
(ملحوظة: كلمة نجحْت بتسكين الجيم تعني إنتهت أو فرغت وذلك باللهجة الدارجة الصنعانية)
الأحد، 17 يوليو 2011
الاثنين، 11 يوليو 2011
أنهبوني...
قبل أن يذهب بالكم بعيداً.. إقرأوا هذه السطور.
نصف عام مر من عمر هذا الزمن، يوماً بيوم، وساعة بساعة والأزمة في اليمن تزداد عمقاً، وتتحول معاناة اليمنيين إلى روتين يومي. نصف عام من الترقب، البحث، التجهيز ووضع الأحتياطات، نصف عام زادت الكثير من اليمنيين فقراً على فقرهم، وزادت الشباب إحباطاً، وأوجدت اليأس في نفوس الغالبية العظمى من الناس. نصف عام من الشتائم والمماحكات والبذاءات، من الصمت والتجهم الذي أصبح سمة كل وجه يمني. من الخوف، من الدعوات للحوار والضجيج الذي لا ينتهي، من طلقات الرصاص والقتل، من المؤامرات والأغتيالات، من الفوضى التي ملأت حياتنا وشوارعنا، من العناد....
نصف عام من الفراغ الذي أصبح سمة أعداد كبيرة من الناس. نصف عام ذهب سدى من عشرات الآلاف من الطلاب، ونصف عام أنضم فيه عشرات الآلاف من نخبة المجتمع إلى قائمة العاطلين ومتلقي الإعانة الحكومية، فهؤلاء يستلمون "أجوراً" لمجرد وجود أسماءهم على قوائم جامعة صنعاء وغيرها من المدارس والمنظمات الحكومية والخاصة.
نصف عام نشأت فيه آمال وماتت فيه أحلام، نصف عام يصلي الناس الجمعة ليس لأجل خالقهم، وإنما لتحقيق مآرب أخرى......
نصف عام إنكشف الغطاء عن المزايدين، وأتضحت الصورة التي غطتها الغشاوة لزمن، فمعارك الحصبة أثبتت أننا لا نختلف عن سوانا، وحادث النهدين عملية قتل ليس إلا.
أما الحكاية فتقول:
كان سكان مدينة صنعاء في منتصف القرن الماضي غالباً ما يتعرضون للنهب بين حين وآخر من القبائل، حيث كانوا يدخلون البيوت ويأخذون ما يحلوا لهم. في إحدى المرات علم أحد سكان حارة العلمي بصنعاء القديمة أن القبائل متجهة لنهب صنعاء، فقرر هذه المرة أن يأخذ أحتياطاته فطلب الحماية من عدد من الرجال من منطقة جدر القريبة من صنعاء الذين لبوا النداء.
جاء "النهابة" وصالوا في بيوت المدينة ما شاءوا، أما بيت صاحبنا فقد "سلم" من النهب بفضل أصحاب جدر. بعد ذهاب "الناهبين" بأيام قال صاحبنا لأصحاب جدر "والله يا قد عملتوا الواجب يا رجال قد النهابة ساروا ويمكن تروحوا ولكم الشكر"... رد عليه رجال جدر "يا عيباه كيف نسير ويرجعوا النهابة ينهبوك وتقع عيبة في حقنا، ما هذا ما احناش به". إستمر صاحبنا في خدمة أصحاب جدر يقدم له الطعام ويهتم بهم أياماً، وكلما أخبرهم بأنه لم يعد بحاجتهم رددوا عليه بقولهم الأول.
تعب صاحبنا من خدمة أهل جدر وتملكه اليأس لعدم رغبتهم في الرحيل عنه فأتاهم رافعاً شاله قائلاً "بجاه الله.... بجاه الله.... أنهبوني... أنهبوني أفتهن"...
ولعل هذا لسان حال اليمنيين هذه الأيام، يريدون حلاً لهذه الأزمة التي طالت وأهلكت الحرث والنسل...
الاثنين، 4 يوليو 2011
سماية الدي دي
عندما كنت صغيراً كنت مغرماً بالحكايات التي تقصها جدتي وأمي حيث لم يكن التلفاز حينها يشغلنا كثيراً، وكانت تلك الحكايات (في اليمنية الدارجة السمايات ومفردها سماية بضم السين) تلهب الخيال وتسرح به في عوالم جديدة. كنت كغيري من الأطفال دائم الطلب إلى جدتي ووالدتي ليقصا علي الحكايات، وعندما كنت آتي إلى أحداهما وهي منشغلة كانت تقول لي "سأساميك سماية الدي دي"، وما أن أقول "أيوه" حتى أقع في الفخ... ويدور حوار قد يطول:
جدتي: " ليش قلت أيوه؟"
أنا: " هكذا"... جدتي:"ليش قلت هكذا؟"
أنا: " هيا".... جدتي:" ليش قلت هيا؟"
أنا: " أحكي لي"... جدتي" ليش قلت إحكي لي؟"
أنا: "خلاص" ... جدتي: "ليش قلت خلاص؟"
أنا: " ما عدا اشتيش"... جدتي: " ليش قلت ما عدا اشتيش؟"
..........
بالأمس القريب كنت أشاهد مقابلة نائب رئيس الجمهورية ومما لفت نظري قوله أنه في "حوار" مع "المعارضة" حول الوضع في اليمن وبصدد "أيجاد حلول" للوضع القائم......
بعد تدهور الوضع إلى مستوى أثر على الصغير والكبير، وبعد إن وصل الناس إلى طريق مسدود يقول نائب الرئيس بأنه في "حوار"....
كل يوم يأتي بالمزيد من الويلات لجميع اليمنيين، ويزيد حياتهم تعقيداً..... ونائب الرئيس يتحدث عن "الحوار".......
إليست سماية الدي دي......
جدتي: " ليش قلت أيوه؟"
أنا: " هكذا"... جدتي:"ليش قلت هكذا؟"
أنا: " هيا".... جدتي:" ليش قلت هيا؟"
أنا: " أحكي لي"... جدتي" ليش قلت إحكي لي؟"
أنا: "خلاص" ... جدتي: "ليش قلت خلاص؟"
أنا: " ما عدا اشتيش"... جدتي: " ليش قلت ما عدا اشتيش؟"
..........
بالأمس القريب كنت أشاهد مقابلة نائب رئيس الجمهورية ومما لفت نظري قوله أنه في "حوار" مع "المعارضة" حول الوضع في اليمن وبصدد "أيجاد حلول" للوضع القائم......
بعد تدهور الوضع إلى مستوى أثر على الصغير والكبير، وبعد إن وصل الناس إلى طريق مسدود يقول نائب الرئيس بأنه في "حوار"....
كل يوم يأتي بالمزيد من الويلات لجميع اليمنيين، ويزيد حياتهم تعقيداً..... ونائب الرئيس يتحدث عن "الحوار".......
إليست سماية الدي دي......
الأربعاء، 15 يونيو 2011
مقارنات مؤسفة
مقارنات مؤسفة
مرة أخرى تدفعنا الوقائع للمقارنة، وبدون إدراك منا نجد أنفسنا مجبرين على وضع الصور متوازية في أذهاننا، وهذه المقارنات يطلقها الناس حيثما تجمعوا وحيثما تحدثوا عن الواقع المعاش.
"ثورة شباب اليمن" التي قامت لمحاربة الفساد فقدت تدريجياً رؤيتها، فأصبحت عنواناً فقد معناه. كانت "ثورة سلمية" تسعى لتغيير واقع اليمن إلى الأفضل. كانت ساحة الجامعة ترحب بالقادمين، وكان الترحيب حاراً وكأنه يدعو كل يمني إلى هذا الفضاء الجديد، وبالأمس كانت الساحة لا تنظر للون شعر القادم أو ملبسه، بل كانت تتطلع نحو يمن للجميع. كانت الساحة تشكو "جور النظام" وتعديه على حقوق الناس، وتبشر بمستقبل يتساوى فيه الناس وتنفتح آفاق النجاح للمجتهد بقدر ما يشاء، ويعاقب فيه المسئ بقدر إساءته، بالأمس كانت الساحة تضم كل من أحس بالظلم، أو خيبة الأمل، كل المتطلعين لمستقبل أفضل، بالأمس بشرتنا الساحة أن روادها سيسعون دوماً لخدمة بلدهم ولن يكونوا كمثل "هذا الحاكم" الذي يسخر البلد لخدمته.
تقدم النظام بتنازلات، سعى لإنقاذ نفسه، هل فكر فينا؟، لا ندري، ولكننا على يقين أنه سعى لأنقاذ نفسه من موجة كادت تغرقه، تنازلاً تلو آخر حتى لم يترك شيئاً يقدمه. واجتهه الساحة بالرفض، قيل لا بد من "اسقاط النظام"، ولم يفهم أحد من أين يأتي ذلك الزخم. كان التكبر قد بلغ مبلغه فرفضت المبادرات، وقيل ألا بديل عن أسقاط النظام، ووسط ذلك رفض حتى التوسل بالإحتكام لكتاب الله، بغض النظر عن كونه وسيلة من وسائل الخلاص للنظام.
الآن فقط نعي أن إنقاذ "النظام" لو تم قبل عدة شهور كان سيحقق لنا ما لم يتحقق، ولن يتحقق مستقبلاً، والآن ندرك كيف أن "تكبر" الساحة قد أوصلنا للهاوية.
تحمل "النظام" سفسطة الساحة وسفه المتكلمين. قدح القادحون في أعراض الناس ما شاءوا ونسجوا الحكايات وقدموا التحليلات ليثبتوا أنهم على حق، بعضهم استخدم المنطق، وبعضهم عرض الحقائق، والآخرين أستخدموا الدين ما حلا لهم. البعض رأى في الأمر إنتقاماً للماضي، والبعض رأي فيه تبريرا لموقف، والبعض سعى من خلاله لتحقيق مصالح فردية أو جماعية.
الآن "الساحة" هي من يضيق بالرأي، و"الساحة" هي من يمنع الحديث، والساحة هي من يتهم الآخرين بالخيانة، بالعمالة، بالسعي للتخريب. الساحة اليوم تبحث عن لون بشرتك، عن هندامك، بل وعن مكنونات قلبك قبل أن تقبلك فيها. الساحة الآن تحكم عن نواياك وتقرر من تكون. الساحة اليوم تصنف الناس "اصلاحي، حوثي، اشتراكي،...." وخلاف هؤلاء لا يجب أن يكونوا هناك فهم "بلاطجة".
بالأمس جاءت أخبار الحادث المروري الذي تعرض له الزنداني في عمران سكت "النظام" ولم يتشف أحد، ولم يربط أحد بين هذا الحادث وموقف الزنداني. الكثير استغربوا من موقف النظام حينها، ولعلهم للآن لم يفهموه.
الساحة التي استقدمت الأوساخ والأوحال، وأقامت الصلاة على القتلة اللصوص سكتت عن تخريب الممتلكات العامة والخاصة. الساحة إحتفلت بالدماء، دماء الشباب، ودماء الآمنين في بيت الله. الساحة أحتفلت بالموت، وكأن الموت هدف ونصر...
الساحة التي فقدت الكثير من روادها وحصرت أهدافها في حصول فئة محددة على السلطة، تبشرنا كل يوم أن حياتنا ستتحول إلى جحيم إذا لم نكن ضمن تلك الفئة. الساحة تبشرنا كل يوم بأن "الكهرباء لن تعود، والنفط لن يعود، والأمن لن يعود" وبأن "الدولة قد أفلست ولم تعد قادرة على دفع اجور الموظفين" وبأن.. وبأن... وبأن لا خلاص لنا إلا أن نكون ضمن تلك العصابة.....
السبت، 11 يونيو 2011
الثورة ومهرجان الرئيس
الثورة ومهرجان الرئيس
(هل كان هناك من يتوقع أن تتحول "الثورة" إلى إحتفال بالقتل!)
يوم الأربعاء 8 يونيو، الساعة جاوزت العاشرة مساءً في وادي شيعان، أحد أودية مديرية القفر. شاءت الظروف أن أكون هناك، وكان الظلام يلف المكان مع انقطاع التيار الكهربائي منذ أيام. كنت أتهيأ للنوم وكانت الساعة قد جاوزت العاشرة مساءً عندما بدأت طلقات الرصاص تدوي في الوادي. لحظات فإذا طلقات أخرى من مناطق مختلفة. ذهبت استطلع الأمر، وصعدت إلى السطح حيث كان الظلام دامساً باستثناء قمر وليد لم يستطع نوره أن يبدد شيئاً من الظلام. زادت الطلقات وظهرت الألعاب النارية، أنتلقت الطلقات من مناطق مختلفة من الوادي، روؤس الجبال أشتركت، ولحظات فإذا بيوت تشعل النيران "التنصير أو التشعيل" على السطوح....
أستطلعت الأمر عبر الإتصال للبعض في الوادي وفي صنعاء، لم يكن هناك خبر مؤكد لكن الأمر كان إما "ان الرئيس عاد لليمن" أو أن "العملية التي أجريت له قد نجحت"... علمت في وقتها أن النيران تنطلق أيضاً في صنعاء وبكثافة، وكذلك الألعاب النارية... أستمريت في المراقبة على السطح وكانت أصوات الزغاريد تطلقها النساء، بينما الأغاني تنطلق من المسجلات. بدا وكأن الوادي أصيب بحالة هوس، ومرت دقائق فظهرت أضواء كثيرة، كان الناس يتجمعون من قرية لأخرى وهم يصيحون " الشعب يريد علي عبدالله صالح، زنقة زنقة دار دار غيرك يا علي ما نختار.... " جابت تلك الأضواء القرى ووصلت لقرب البيت الذي كنت على سطحه....
بعد أكثر من نصف ساعة غادرت السطح بينما أستمر المهرجان حتى منتصف الليل....
في الصباح تبين أن الأمر كان "نجاح عملية أجريت للرئيس"، وعلمنا أن المهرجان أنتقل لجميع مناطق اليمن، بل قيل أن "المعارضين" أضطروا للمشاركة فيه....الغريب مشاركة مناطق مثل تعز والتي يقال أنها ضد الرئيس...
المهرجان في وادي شيعان أستمر في اليوم التالي، وكان الغالب عليه التنصير بالنار، وجاب الأطفال والشباب القرى وهم يغنون ويدقون المرافع....
لعل المهرجان جاء "رداً" على اما أبداه "رواد ساحة الإعتصام" من فرحة إثر أنباء عن "مقتل" الرئيس، بل وقيامهم بجزر الذبائح، واطلاق الألعاب النارية والإحتفال بهذا لحدث.....
للأسف فإن مهرجان الرئيس كان هو الأنجح، فقد إستطاع أن يثبت "شعبية" الرئيس ووجود مؤيدين له في مختلف أنحاء اليمن لم يتوقعها أحد، ولعل ما قام به المعتصمون قد أساء لليمن واليمنيين بشكل عام، فقد كان إحتفالاً تبع عمل من أعمال الغدر والخيانة وفي بيت من بيوت الله، عمل استهدف عدد كبير من قيادات الدولة...كان إحتفالاً بالموت...
جاء مهرجان الرئيس كرد قاطع أيده غالبية اليمنيين، فقد كان إحتفالاً بالحياة وبالأمل...
وهكذا تحولت "الثورة" لدعوة للموت، وتحول "الرئيس" لدعوة للأمل......
السبت، 4 يونيو 2011
الثورة الأخلاقية- من جديد
الثورة الأخلاقية- من جديد
عندما بدأت حركة الشباب قبل ما يزيد عن أربعة شهور رفعت شعارات محاربة الفساد وقد أنحرفت تلك الحركة عن مسارها بعد بضعة أسابيع ولأسباب متعددة، وللأسف فإن تخلي الحركة "الثورة" عن مبادئ إنسانية جعلتها في مهب الريح، وقد أثبتت الأيام ذلك حتى وصلت الحركة لنقطة النهاية ببدء المواجهات بين قبائل أبناء الشيخ الأحمر وقوات الأمن في صنعاء خلال الأسبوع الماضي. قامت عناصر القبائل بالأستيلاء على عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، ويبدو أن ذلك جاء ضمن مخطط لفرض السيطرة على الجزء الشمالي من العاصمة تمهيداً لفرض الأمر الواقع وربما الإستيلاء على السلطة بشكل كامل.
عناصر القبائل ظلت في عدد من الوازارات والمؤسسات الحكومية لأيام بعد تردد الرئيس في مواجهتها، ولجوءه للوساطة القبلية التي سرعان ما أثبتت فشلها. الغريب في الموضوع أنه بعد طرد تلك العناصر القبلية من تلك المؤسسات الحكومية لوحظ أنها تعرضت للنهب وليس التخريب فقط!
بالأمس كانت لي فرصة السفر على إحدى الحافلات المتجة لعدن، وقد كان بجواري أحد الشباب المتجهين إلى تعز. كان الرجل قلقاً كثير الاستخدام للهاتف، وقد فهمت من مكالماته أنه دكتور صيدلي. ظهر لي أنه ملتزم فحتى نغمة هاتفه تصدح بأغنية مدح للرسول صلى الله عليه وسلم.
في أثناء رحلتنا التي استمرت حوالي ثلاث ساعات كان إلى الجانب الآخر من الحافلة رجلين، وقد تلقى أحدهما مكالمة، "استشهد"، "لا"، "لاو حول ولا قوة إلا بالله"، قال أحدهما وهو يتحدث للهاتف، ثم توجه بالحديث للرجل المجاور له، قال "فلان استشهد في تعز"...... عندها انطلق الشاب بجواري.... "سهل سهل.... هو من شهداء الثورة... سهل سهل..."
ظهر واضحاً أن الشاب بجواري كان ممن ناصروا حركة الشباب... توجه نحوي بالكلام.. "الله يلعنهم اللقاء المشترك خربوا الثورة"... التزمت الصمت....
مرت الدقائق ولم يكن بيني وبين هذا الشاب الكثير من الكلام... سألني إن كنت أخزن... اجبته بالنفي.
عندما وصلنا إلى ذمار فإذا رفيقي الثائر يتصل بشخص ما. "قد الإدارة أتصلوا؟" قال متسائلاً. " إذا اتصلوا قولوا لهم أني في الشارع الثاني.... عند.... او...." ... "إذا اتصلوا قولوا لهم هكذا".. " أنا راجع يوم السبت"...
مرة أخرى... نحن في أمس الحاجة لثورة أخلاقية.... لم تبدأ بعد!
السبت، 21 مايو 2011
البلاطجة
منذ بداية "الثورة الشبابية" التي سرعان ما تحولت لأزمة ستكمل عما قريب شهرها الرابع ظهرت العديد من الأمور التي لم نألفها، ولم نسمع بها كيمنيين، بل أزعم أن بعض تلك الأمور هزت ما نؤمن به من عادات وتقاليد وموروثات، لا شك أن بعضها كامن في نفوسنا، وربما لآلاف السنين ظل ضمن مكونات الشخصية اليمنية.
فجأة تنهار كل أسوار المحضور في هذا البلد، فجأة تتحول الكلمة التي كانت "مقدسة" إلى مجرد حروف تجتمع، وفجأة نجد من لا يبالي بما يقوله، أو لعله يقصد ما يقوله، وتلك طامة كبرى. طالعتنا الصحف والمجلات بل والفضائيات على الهواء مباشرة بألوان من الكلام لم نألفها. أصبحت لغة السب والشتم والقذف هي السائدة، وبدا أن "إسهالاً" قد أصاب الأفواه، إن لم أقل "العقول". كثر الكلام دون طائل، وكأن كثرة الكلام وبذاءته أصبحت أسلوباً لتحقيق "النصر"...... وحتى حادثة قطع اللسان المشؤومة، والتي لا أعتقد أن هناك بشر على وجه هذه الأرض لا يشمئز منها، يبدو أنها لم تؤثر... بل زادت المرض حدة....
مما طالعتنا به صحافتنا وأعلامينا وغيرهم كلمة بلاطجة... كلمة أتت نقلاً عن اللفظ المصري "بلطجية". ألصقت هذه الصفة بعدد من الرجال الذين أستقدمهم النظام لإحتلال ميدان التحرير.. استباقاً لما خطط له أحزاب اللقاء المشترك من الإعتصام فيه على غرار ما حدث في ميدان التحرير بالقاهرة. الغريب أن هؤلاء ظلوا، وما زالوا يحملون عصيهم (صمولهم) حتى اليوم بالرغم من أنهم لم يقوموا فعلياً باستخدامها....
إذن هي جماعات "مأجورة" الهدف منها التخويف لمنع الآخر من التقدم... في مصر، وبعد فشل الأمن في تحقيق شيء، استخدم النظام عدد هائل من هؤلاء للإعتداء على المعتصمين في ميدان التحرير.... لقد فشل النظام المصري أيضاً في الإستفادة من هؤلاء لتحقيق أغراضه. في اليمن قيل أن عدد من المأجورين أعتدى على بعض طلاب جامعة صنعاء ممن بدأوا بحركة الأحتجاج، وكانت تلك أيضاً آخر مرة سمعنا فيها عن قيام هؤلاء بأي نشاط، بالرغم من تواجدهم في عدة مناطق في العاصمة.
بلاطجة، كلمة بنكهة يمنية، ألصقت بهذه المجموعات والتي معضمها من رجال القبائل المسنين. هؤلاء ليست لديهم البنية لفعل الكثير لكنهم ظلوا يمثلون عنصراً هاماً في الصراع.
اليوم سمعنا أن عدداً من طلاب جامعة الحديدة فشلوا في "ايقاف الدراسة" في الجامعة بعد تدخل الأمن، وبالأمس كنت مع أحد طلاب جامعة صنعاء. صديقي كان يشكو حاله، فها قد مرت ثلاثة شهور من شهور الفصل الأربعة دون أن تستأنف الدراسة. السبب كما قيل هو تهديد ووعيد من "المعتصمين" في حال استئناف الدراسة بالجامعة. إذن ذهب نصف عام دراسي لأكثر من عشرين ألف من طلاب الجامعة سدى. سألت صديقي لماذا لا يحاولون عمل شيء، مثل الأحتجاج، قال أن أحداً لم يفكر في ذلك. جهود إدارة الجامعة لأستئناف الدراسة فشلت وفضلت ايقاف الدراسة على المواجهة.
إذن هؤلاء الشباب "الثائر" قرروا منع وتعطيل الدراسة، وقرروا أن "ثورتهم" أكثر أهمية من أن يعارضهم فيها أحد. هؤلاء لم يكتفوا بذلك بل "فرضوا" بالقوة إغلاق الجامعة، ومنعوا الطلاب والمدرسين من ممارسة مهامهم، ولأكثر من ثلاثة شهور.
ترى من له حق الإعتداء على حرية الآخرين بالقوة؟
البلاطجة.... هذا مصطلح بنكهة يمنية... وللأسف .....
فجأة تنهار كل أسوار المحضور في هذا البلد، فجأة تتحول الكلمة التي كانت "مقدسة" إلى مجرد حروف تجتمع، وفجأة نجد من لا يبالي بما يقوله، أو لعله يقصد ما يقوله، وتلك طامة كبرى. طالعتنا الصحف والمجلات بل والفضائيات على الهواء مباشرة بألوان من الكلام لم نألفها. أصبحت لغة السب والشتم والقذف هي السائدة، وبدا أن "إسهالاً" قد أصاب الأفواه، إن لم أقل "العقول". كثر الكلام دون طائل، وكأن كثرة الكلام وبذاءته أصبحت أسلوباً لتحقيق "النصر"...... وحتى حادثة قطع اللسان المشؤومة، والتي لا أعتقد أن هناك بشر على وجه هذه الأرض لا يشمئز منها، يبدو أنها لم تؤثر... بل زادت المرض حدة....
مما طالعتنا به صحافتنا وأعلامينا وغيرهم كلمة بلاطجة... كلمة أتت نقلاً عن اللفظ المصري "بلطجية". ألصقت هذه الصفة بعدد من الرجال الذين أستقدمهم النظام لإحتلال ميدان التحرير.. استباقاً لما خطط له أحزاب اللقاء المشترك من الإعتصام فيه على غرار ما حدث في ميدان التحرير بالقاهرة. الغريب أن هؤلاء ظلوا، وما زالوا يحملون عصيهم (صمولهم) حتى اليوم بالرغم من أنهم لم يقوموا فعلياً باستخدامها....
إذن هي جماعات "مأجورة" الهدف منها التخويف لمنع الآخر من التقدم... في مصر، وبعد فشل الأمن في تحقيق شيء، استخدم النظام عدد هائل من هؤلاء للإعتداء على المعتصمين في ميدان التحرير.... لقد فشل النظام المصري أيضاً في الإستفادة من هؤلاء لتحقيق أغراضه. في اليمن قيل أن عدد من المأجورين أعتدى على بعض طلاب جامعة صنعاء ممن بدأوا بحركة الأحتجاج، وكانت تلك أيضاً آخر مرة سمعنا فيها عن قيام هؤلاء بأي نشاط، بالرغم من تواجدهم في عدة مناطق في العاصمة.
بلاطجة، كلمة بنكهة يمنية، ألصقت بهذه المجموعات والتي معضمها من رجال القبائل المسنين. هؤلاء ليست لديهم البنية لفعل الكثير لكنهم ظلوا يمثلون عنصراً هاماً في الصراع.
اليوم سمعنا أن عدداً من طلاب جامعة الحديدة فشلوا في "ايقاف الدراسة" في الجامعة بعد تدخل الأمن، وبالأمس كنت مع أحد طلاب جامعة صنعاء. صديقي كان يشكو حاله، فها قد مرت ثلاثة شهور من شهور الفصل الأربعة دون أن تستأنف الدراسة. السبب كما قيل هو تهديد ووعيد من "المعتصمين" في حال استئناف الدراسة بالجامعة. إذن ذهب نصف عام دراسي لأكثر من عشرين ألف من طلاب الجامعة سدى. سألت صديقي لماذا لا يحاولون عمل شيء، مثل الأحتجاج، قال أن أحداً لم يفكر في ذلك. جهود إدارة الجامعة لأستئناف الدراسة فشلت وفضلت ايقاف الدراسة على المواجهة.
إذن هؤلاء الشباب "الثائر" قرروا منع وتعطيل الدراسة، وقرروا أن "ثورتهم" أكثر أهمية من أن يعارضهم فيها أحد. هؤلاء لم يكتفوا بذلك بل "فرضوا" بالقوة إغلاق الجامعة، ومنعوا الطلاب والمدرسين من ممارسة مهامهم، ولأكثر من ثلاثة شهور.
ترى من له حق الإعتداء على حرية الآخرين بالقوة؟
البلاطجة.... هذا مصطلح بنكهة يمنية... وللأسف .....
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)